غالباً ما نسمع معلمة أطفال تقول عن نفسها: (أنا اخترت هذه المهنة لأنني أحب الأولاد).. ونضيف: لا يكفي أن تحبي الأولاد فالحب مهم جداً بالطبع إنما تفهم الأولاد هو الأهم إننا نتطلع إلى المعلمة كعامل أساسي في حياة أولادنا له تأثيره العميق على نمو شخصيتهم وكذلك على مستقبلهم الدراسي وحتى المهني…
فكم من أشخاص نعرفهم كرهوا مادة الرياضيات بسبب معلمة محبطة وغير متفهمة وكم من أشخاص نفروا من مادتي التاريخ والجغرافيا لأنهم كانوا دوماً يرسبون فيها مهما درسوا وحفظوا صفحات وصفحات من الأسماء والتواريخ والأماكن…
كم من أهل اضطروا إلى تغيير مدارس أبنائهم بسبب إدارة سيئة داعمة لمعلمة رفضت أن تلمس أي تحسن ولو ضئيل في أدائهم المدرسي أو السلوكي…
كم من أولاد متفوقين فقدوا كل اندفاعهم وابداعهم بسبب معلمة لم تلتفت ولو للحظة طوال السنة المدرسية لطاقاتهم المميزة…
كم من أطفال خجولين عبروا كل مرحلة الدراسة الابتدائية من دون أي صديق ولم تسع أي معلمة لمساعدتهم على بناء ولو علاقة واحدة مع أحد التلاميذ في الصف.
كم من معلمة صرخت بصوت عال في وجه طفل حساس وغير معتاد على الصراخ فأرعبته وأصبح يكره الذهاب إلى المدرسة ويبكي كل صباح ممزقاً قلب أمه…
كم من معلمة ضحكت بسخرية على ولد تشقلب فوق حقيبة صديقه وهو عائد إلى مقعده بعدما وقف أمام الجميع على اللوح ونجح في تسميع الاستظهار بكامله دون أي خطأ…
كم من معلمة فضلت من دون أي تحفظ ولداً على الآخرين في الصف لأنها تعرف أهله وكم من معلمة لجأت إلى معاقبة تلميذ بمنعها الآخرين من التكلم معه أو الاقتراب منه لفترة أسبوع.
إن كل ما ورد أعلاه ليس من نسيج خيالنا بل هو من صميم واقع مؤلم مبني على شهادات حية لأهل تحطمت قلوبهم لرؤية أولادهم يتخبطون يومياً في مشاكل سلوكية أو تعلمية ويعجزون عن مساعدتهم فيلجؤون إلى الطبيب النفسي وأهل الاختصاص لمعالجة هذه المشاكل وهكذا تبدأ المسيرة المعقدة والطويلة المدى مع الفحوصات الطبية والتحاليل المخبرية والجلسات العلاجية في العيادات وحتى مع جرعات الدواء صباحاً وليلاً.
إننا مقتنعون أن المعلمة في المدرسة تستطيع أن تساهم بشكل فعال جداً في هذه المسيرة العلاجية وأن توفر على الأهل وعلى الطفل كل هذه المشقات، فتصبح (المعلمة المعالجة) أي إنسان يملك في قلبه وعقله وبين يديه القدرة على إحداث تغيير إيجابي في سلوك الطفل مما يؤدى تلقائياً إلى تحسن في أدائه المدرسي وتصرفاته تجاه نفسه وتجاه الغير في آن معاً.
فتعالوا نكتشف معاً ما هي أسرار التربية الناجحة ومن هي المعلمة المعالجة؟
- غالباً ما نسمع معلمة أطفال تقول عن نفسها (أنا اخترت هذه المهنة لأنني أحب الأولاد) إنني أقول لها: لا يكفي أن تحبي الأولاد فالحب مهم جداً بالطبع إنما تفهم الأولاد هو الأهم. المعلمة الناجحة هي التي تضع نفسها مكانهم وتعرف احتياجاتهم وهي التي تصغي إليهم لتحثهم على الكلام وهي التي تعرف كيف تطرح أسئلتها عليهم لتدفعهم إلى المشاركة.
- إن الأولاد اليوم يختلفون عن أولاد الأمس وبالتالي فإن الأساليب التربوية التي كانت معتمدة بنجاح في الماضي لم تعد صالحة اليوم نظراً للتغيرات الكبيرة التي نلمسها كل يوم في شخصيات أولادنا. أولاد اليوم لا يخشون التمرد ضد أهلهم أو ضد أي مصدر سلطة آخر مثلما كنا نحن نخشى في طفولتنا. لذلك فإن الأسلوب التربوي المبني على التخويف والتهديد غير صالح اليوم لأنه يضعف سلطة الأهل أو المعلمة بدلاً من تعزيزها. إن مثل هذا الأسلوب يجعل الولد ينقلب ضد هذه السلطة ويحثه على التمرد. فاللجوء إلى أساليب التأنيب والضرب والتحقير يؤدي إلى جعل الولد أقل استعداداً للاستماع إليك والتجاوب معك. هكذا تحطم خطوط التواصل بين المعلمة والتلميذ وتصبح المعلمة جزءاً من مشكلة الولد بدلاً من أن تكون حلاً لها.
- إن كل ولد مميز وفريد وعلى المعلمة أن تتعرف على فردية كل ولد في مجموعتها وأن تتصرف بكل مسؤولية تجاه هذه الفردية فتدعمها بحكمة للوصول إلى إبراز كل مواهب الولد ومواطن قوته. أولادنا لا يحتاجون للمعلمة لكي تجعلهم أحسن وأشطر. إنهم يعتمدون على دعمها خلال عملية النمو، فعليها تأمين الأرض الخصبة لهم لكي يفجروا كل مواهبهم المميزة.
- إن فردية كل ولد تعني أيضاً أن لكل ولد نمطه الخاص في التعلم لذلك لا يجوز للمعلمة أن تقارن كل ولد بنفسه، أي تقيس تطوره في التعلم بالنسبة لإنجازاته السابقة. هذا وإن لكل ولد طبعه المميز فهناك الولد الحساس والولد النشيط والولد المتجاوب والولد البطيء… الخ، ولكل طبع خصائصه فالولد الحساس يحتاج إلى عطف الآخرين وإلى من يتفهم مشاعره الداخلية بدرجة أعلى من غيره عكس الولد النشيط الذي يركز أكثر على الأفعال والأعمال والنتائج ويجب أن يكون محور الانتباه في كل نشاط كما أنه يحتاج إلى الظروف الملائمة لكي يمارس قيادته. إن هذا الولد يحتاج إلى الكثير من التقدير لنجاحاته والتسامح حيال أخطائه. أما الولد المتجاوب فهو اجتماعي ومنفتح على الحياة كما أنه يحتاج إلى درجة عالية من الإثارة فكل جديد يثيره وهو في عملية اكتشاف واختبار مستمرة لكنه مثل الفراشة التي تنتقل من نشاط إلى آخر يحتاج إلى المزيد من الوقت لكي يتعلم التركيز..
- المعلمة الناجحة هي التي تستعمل المكافأة أكثر من العقاب في صفها فبدلاً من أن تدفع تلاميذها إلى الأمام باستخدام العقاب (إذا لم تهدأوا سوف أحرمكم من الخروج إلى الملعب). تدفعهم باستخدام المكافأة فلا شيء يدفع الطفل للتصرف الايجابي أكثر من رغبته في الحصول على مكافأة ما. إن هذه المكافأة قد تكون ابتسامة أو تربيتة على الكتف أو نجمة على الجبين. فكل الأولاد يحبون المكافآت وتوقعها يعطيهم طاقة داخلية للتجاوب مع متطلبات المحيط، فتراهم متجاوبين إلى أقصى الحدود.
- المعلمة الناجحة لا تخاف من توزيع المكافآت يميناً ويساراً على تلاميذها. وأقول (تخاف) لأن العديد من المربين يساوون المكافأة بالرشوة، إن المعلمة الناجحة بدلاً من أن تقف مستنفرة داخل الصف لالتقاط التلميذ بالجرم المشهود (أي في أوج لحظات المشاغبة) تستنفر طوال النهار لالتقاط تلاميذها في أعمالهم الايجابية. وتلتفت برقة وحنان إلى كل مبادرة جيدة وتدعمها بالمكافأة الملائمة والكلمة المشجعة أو وسام التلميذ الشاطر على الصدر أو الكتاب الملون في آخر الأسبوع فكلما التفتنا إلى السلوك الايجابي ساهمنا في تعزيزه وكلما عاقبنا السلوك السلبي ساهمنا أيضاً في تقويته.
المرجع:
أولادنا من الولادة حتى المراهقة























