المجتمع هو الذي يحدد السمات التي يختلف فيها أفراده من خلال وضع الحدود الفاصلة بين ما هو عادي وما هو غير عادي، حيث يوصف السلوك مثلاً بأنه سيء وغير طبيعي، أو بأنه حميد وطبيعي، على ضوء تعريف المجتمع للسلوك وتصنيفه لأنماطه، ذلك أن المجتمع هو الذي يقرر ماهية السلوك المقبول من عدمه.
المقصود من النموذج التوصيلي ردم الهوة وتضييق المسافة بين أداء التلاميذ ذوي المستوى التحصيلي المتدني والمستوى التحصيلي المطلوب منهم، فهو يركز على الأطفال ونظامهم التعليمي على حد سواء للمساعدة على التكيف مع المجتمع والانسجام معه.
يُنظر عادة إلى إنحراف النمو (Developmental Deviance غير العادية) وفق النموذج المستخدم في تشخيص الحالة. ففي حقل التربية الخاصة، هناك ثلاثة نماذج شائعة، يكثر استخدامها في تحديد إنحراف النمو لدى الأطفال، هذه النماذج هي: النموذج الطبي، والنموذج الإحصائي، والنموذج الإجتماعي.
في هذا المقال ستتم مناقشة هذه النماذج الثلاثة بالإضافة إلى توضيح مظاهر الانحراف ودور المجتمع في ذلك بالإضافة إلى استراتيجيات التدخل العلاجي:
النموذج الطبي Medical Model
يركز هذا النموذج على وجود خلل في وظائف الجسم من خلال الملاحظة الطبية المباشرة للأعراض المرضية Pathological Symptoms فوفقاً لهذا النموذج يتم تصنيف الطفل ضمن فئة غير العاديين (ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة) في حالة وجود علامات المرض، بينما يتم تصنيفه ضمن فئات العاديين في حالة غياب أعراض المرض(1).
النموذج الإحصائي Statistical Model
يعتمد النموذج الإحصائي على المعلومات الكمية حول أداء الفرد، حيث ينظر إلى حالة الانحراف وفقاً لمدى اختلاف موقع الفرد من المتوسط بشأن سمة أو خاصية معينة على منحنى التوزيع الطبيعي Normal Distribution ووفقاً لهذا النموذج، يعتبر الفرد غير عادي (منحرف)، عندما يقع في أطراف المنحنى (منطقة الرفض)، بينما يعتبر الفرد عادياً (غير منحرف)، عندما يقع خارج نطاق الأطراف (منطقة القبول) على منحنى التوزيع (انظر الشكل أدناه). ويُوجد من هذا النموذج نوعان من الحالات غير العادية، هما: المرتفع (ذوو درجات الذكاء المرتفع) والمنخفض(2) (ذوو درجات الذكاء المنخفض) ويتميز هذا النموذج عن غيره من النماذج الأخرى بالموضوعية العالية.
النموذج الاجتماعي Social Model
تم اقتراح هذا النموذج من قبل جين مرسر Jane Mercer، كبديل للنموذج الطبي. ويركز هذا النموذج على أداء الفرد وفقاً للأدوار المتوقعة منه. ووفقاً لذلك يُعرف الأداء العادي بأنه الأداء المناسب عطفاً على الأدوار المتوقعة (2). ففي هذا النموذج، يتم تصنيف الأفراد حسب حالتهم، بحيث يكـون لكل فـرد حالـة أو وضع معين Status مثل: معلم، تلميذ، ولي أمر… الخ. ولكل حالة أدوار وسلوكات معينة ومتوقعة من صاحبها كانعكاس لطبيعة الحالة نفسها. ويعتبر الفرد عادياً حسب هذا النموذج إذا كان بمقدوره الوفاء بالأدوار والسلوكيات المتوقعة منه حسب حالته على نحو ما ورد آنفاً. وغير عادي (منحرف) عندما لا يستطيع الوفاء بالمتطلبات المتوقعة منه. وهذا النموذج ذو موضوعية محدودة وذلك لاعتماده على المعايير الشخصية في الحكم على الأداء. وعلى ضوء ما تقدم، يتم تصنيف الطالب مثلاً ضمن فئة ذوي صعوبات التعلم Learning Disabilities في حالة عدم تمكنه من الوفاء بالمتوقع منه في المدرسة وفقاً لحالته كتلميذ بالمدرسة. وتشمل الأنظمة أو المؤسسات الاجتماعية Social Systems الرئيسية الأربع التي يتحرك الطفل في إطارها كل من الأسرة، والحي، والمدرسة والمجتمع ككل. وفي هذه المؤسسات الأربع، تزداد الأدوار والتوقعات حول الأداء بإزدياد سنوات العمر، حيث أن التناسب بينهما طردي(2).
مظاهر إنحراف النمو
تختلف أشكال إنحراف النمو لدى الأطفال لتشمل أوجه القصور وأوجه التفوق على حد سواء. وفيما يلي مجموعة من فئات الإنحراف النموذجية(3):
- الفروق العقلية: وتشمل هذه الفئة مجموعتين مختلفتين هما المتميزين عقلياً و(المعاقين) عقلياً. حيث تضم المجموعة الأولى الأطفال الموهوبين وذوي درجات الذكاء العالية (130 درجة فأكثر). بينما تضم المجموعة الثانية الأطفال (المعاقين) عقلياً وهم الأطفال الذين تقل درجات ذكائهم عن المتوسط بانحرافين معياريين، ويقسم عادة (الإعاقة العقلية) إلى أربع فئات فرعية على النحو التالي: (الإعاقة العقلية) البسيطة، (الإعاقة العقلية) المتوسطة، (الإعاقة العقلية) الشديدة، (الإعاقة العقلية) الحادة.
- الفروق الحسية: وتشمل الأطفال ذوي الإعاقات السمعية والبصرية. فالإعاقة السمعية تتراوح بين الصمم وثقل السمع. فالطفل الأصم هو من يبلغ مقدار الفقدان السمعي لديه حوالي 75 ديسيبل أو أكثر بينما ثقيل السمع هو من يتراوح الفقدان السمعي لديه بين 35 و 74 ديسيبل. أما الإعاقة البصرية فتتراوح بين كف البصر وضعفه. فالطفل الكفيف هو من تقل حدة الإبصار لديه بعد التصحيح عن 606م في أقوى العينين وتقل أيضاً زاوية إبصاره عن 20 درجة. أما ضعيف البصر فهو الذي تتراوح حدة إبصاره بعد التصحيح بين 206 م و 606م في أقوى العينين.
- الفروق التواصلية: وتشمل الأطفال ذوي صعوبات التعلم أو الذين لديهم مشاكل في مهارات الكلام واللغة بدرجة تؤثر على قدرات الطفل في التعبير.
- الفروق الإنفعالية والسلوكية: وتشمل الأطفال ذوي الإعاقات الإنفعالية الذين يعانون من الإكتئاب والقلق والفصام، والإعاقات السلوكية مثل العدوانية والجنوح والإدمان وكذلك غير القادرين على التجانس مع المجتمع.
- الفروق الجسمية: وتشمل الأطفال ذوي الإعاقات غير الحسية والتي تعطل الحركة وتعوق النشاط البدني مثل الشلل بأنواعه وضمور العضلات وبتر أحد الأطراف. كما تشمل أيضاً المشاكل الصحية المزمنة مثل أمراض القلب والسكر.
- حالات الإعاقة الشديدة والمتعددة: وتشمل الأطفال ذوي الإعاقات المزدوجة مثل الإعاقة البصرية والسمعية أو الإعاقة الجسمية والعقلية.
العلاقة بين الفرد والمجتمع
يؤثر المجتمع والبيئة على طبيعة وشخصية الفرد، صغيراً كان أم كبيراً، وكامل خصائصه الذاتية المميزة، ومجموع نزعاته الانفعالية والسلوكية(4)، فالمجتمع هو الذي يحدد السمات التي يختلف فيها أفراده والتي بناءً عليها يتحدد الفرد غير العادي من خلال وضع الحدود الفاصلة بين ما هو عادي وما هو غير عادي، حيث يوصف السلوك مثلاً بأنه سيء وغير طبيعي، أو بأنه حميد وطبيعي، على ضوء تعريف المجتمع للسلوك وتصنيفه لأنماطه، ذلك أن المجتمع هو الذي يقرر ماهية السلوك المقبول من عدمه. وفي مجتمعاتنا على سبيل المثال، يطالب التلاميذ بالمحافظة على الهدوء، ويتم تدريسهم من خلال الحفظ والملاحظة(5)، الأمر الذي يمثل نمطاً سلوكياً مختلفاً وغير طبيعي في بعض الدول الأخرى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية. بناءً على هذه الاختلافات، يلزم مراعاة خلفية الطفل وتجاربه وثقافته وبيئته السابقة عند تقييم حالة الانحراف لديه.
استراتيجيات التدخل
يقوم معلمو التربية الخاصة بتطبيق استراتيجيات التدخل العلاجي الملائمة لمعالجة المشاكل التي تواجه الأطفال ذوي (الإعاقة)، وذلك باستخدام برامج التربية الخاصة. وقد أشارت فروست(6) أن استراتيجيات التدخل تشمل النموذج العلاجي Remedial Paradigm، والنموذج التعويضي Compensatory Paradigm، والنموذج التوصيلي Bridge Paradigm.
النموذج العلاجي، ويهدف هذا النوع لمساعدة الأطفال ذوي المستوى التحصيلي المتدني، ولما كان هذا النموذج يقوم على افتراض أن المشاكل الإدراكية تتسبب في تدني مستوى التحصيل، فإنه يعتبر النموذج المفضل لدى أنصار تصنيف حالات الانحراف حسب النموذج الطبي. أما النموذج التعويضي، فقد جرى تطويره لإثراء طريقة التدريس وتكثيف عناصرها كماً وكيفاً، بحيث يتسنى تدريس التلاميذ ذوي المستوى التحصيلي المتدني والأخذ بأيديهم قبل أن تتسبب البيئة في أي مشاكل تعترض سبيلهم في التحصيل الدراسي. وأما النموذج التوصيلي، فقد كان المقصود منه ردم الهوة وتضييق المسافة بين أداء التلاميذ ذوي المستوى التحصيلي المتدني والمستوى التحصيلي المطلوب منهم، فهو يركز على الأطفال ونظامهم التعليمي على حد سواء للمساعدة على التكيف مع المجتمع والانسجام معه. هذا ويمكن استخدام النموذجين الأخيرين (التعويضي والتوصيلي) من قبل مصنفي حالات الانحراف وفق النموذج الاجتماعي.
في الختام، يمكن القول إن هناك ثلاثة نماذج مستخدمة لتحديد انحراف الأطفال. وتستخدم هذه النماذج ضوابط ومعايير مختلفة للنظر في حالات الانحراف (غير العادية)، هذا ويؤثر المعيار الاجتماعي العام على التوقعات السلوكية، كما يحدد ما هو عادي وما هو غير عادي. وفي حقل التربية الخاصة، هنالك عدد من استراتيجيات التدخل المفيدة للوفاء باحتياجات الأطفال غير العاديين ومتطلباتهم.
المراجع
- Mercer, J.R. (1972). Labeling the mentally retarded. Berkeley, CA: University of California
- MacMillan, D.L. (1982). Mental retardation in school and society (2nd Ed.) Boston, MA: Lihle Brown.
- Hallahan, D. P., & Kauffman, J. M. (2004). Exceptional children. Needham Heights: MR. Allyn & Bcon.
- Crystal, D.S., Stevenson, H.W. (1995). What is bad Kid? Answers of adolesonts and their mothers in three cultures. Journal of research on adolescence, 5 (1), 781-91.
- Chenge, L. L. (1992) Asian-American culture. In Harry. Cultural Diversity, Families and the special education system. New Yurok, NY: Teachers college press.
- Frost, L.E. (1994). At-risk students: defining deviance and suppressing difference in the public schools. Journal of law and education, 12, 123-164.
























