لم أكن أعلم بأن الأرز والطعمية قد تكون معضلة في يوم من الأيام!!
ولكن هذا ما حصل معي، وأقول لاحول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم (لك الشكر يا رب على أن مننت عليّ بطفل توحدي) كنت ألاحظ أن ابني التوحدي ودون مبالغة يحب أن يأكل الأرز يومياً. وأيضاً الطعمية، ولكل منهما وقتها.. الأرز على الغداء.. والطعمية عندما يخرج بعد العصر. كنت أراقب ابني التوحدي أثناء إجازتي المعتادة وكنت أرى عليه بعض نوبات الغضب دون معرفتي السبب.. وقمت أبحث عن سبب غضبه وصراخه المستمر دون توقف الأمر الذي يشكل معضلة لا يستطيع الإنسان تحملها مهما بلغت قدرة تحمله.. كنت أحاول جاهدا معرفة السبب في البداية ولكن لم أستطع!!
قمت بمراجعة ما يقوم به ابني التوحدي من نشاط في يومه ابتداء من قيامه صباحاً ودخوله الحمام: إفطاره، ألعابه، سلوكه النمطي والاستحواذي، غداؤه، خروجه بعد العصر، عودته إلى المنزل، أنشطته بعد رجوعه إلى المنزل، عشاؤه، طقوس النوم اليومية..
لاحظت أنه إذا لم يكن هناك أرز على الغداء فكأنه لم يأكل شيئاً!!! فمهما قدمنا له من أنواع الطعام يأكلها ويطلب المزيد، ويعود ابني إلى حالة الهياج والعصبية والصراخ المزمجر!!!!
وهنا أود الإشارة إلى أن بعض الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد توجد لديهم خاصية النهم في الأكل دون الشعور بالشبع، وهذه الخاصية يعرفها العديد ممن يتعاملون مع بعض حالات التوحد، وبعد عدة محاولات في تعديل قائمة الطعام تيقنت أن المشكلة وراء الصراخ والعصبية تكمن في الأرز الذي ما إن وجد على طاولة الطعام حتى تبسم ابني وراح يرفرف بيديه من الفرح بأن الأرز موجود..
أيضاً كنت الاحظ على ابني التوحدي عند خروجه بعد العصر لجولة قصيرة نوبات الغضب العارمة والكلمات غير المفهومة وبالذات قبل وصولنا إلى المنزل عند الإشارة القريبة من المنزل، ولكن دون معرفتي لسبب غضبه وزمجرته التي ربما يسمعها من هم خارج السيارة.. أدركت بأن هناك مشكلة أخرى، وبدأت في البحث والتقصي وهو معي بعد عدة مرات من تكرار هذا السلوك من قبل ابني التوحدي.. فقمت بالدخول إلى الشارع الذي توجد عند مدخله إشارة المرور وأتجول فيه وكنت أراقب تصرفات ابني التوحدي الذي ما ان دخلت الشارع حتى عادت إليه الابتسامة والسعادة ولكنني لم أعرف سبب غضبه وكنت أمشي أمام المحلات الموجودة في الشارع وما إن تجاوزت أحد المطاعم حتى بدأ مشعل بالصراخ!! قمت بمعاودة الكرة مرة ثانية من بداية الشارع فبدا سعيداً حتى تجاوزت ذلك المطعم فعاد إلى الصراخ المزمجر!! يا لطيف يا رب المسألة فيها أكل!!! وبالتأكيد وقفت عند ذلك المطعم الصغير (وقلت خليني أشوف وش يبيع!!!) هذا المطعم لم يكن يبيع سوى الطعمية (الفلافل) وقمت بشراء الفلافل فبدأ ابني سعيداً… وكنت أنا أسعد حيث أنني عرفت سبب زمجرته بعد عناء شديد.
وأثناء اجازة عيد الأضحى قررنا الذهاب من الرياض إلى البحرين بالسيارة وكان كل شيء على ما يرام ابتدأنا الرحلة وبعد قرابة 100 كم من الرياض بدأت نوبات الصراخ والزمجرة التي تعودنا عليها ولكن هذه المرة لم أفهمها فوقفت عند إحدى المحطات واشتريت البسكويت ورقائق البطاطس والماء وبعض السندويتشات المغلفة الجاهزة، أكل ابني وأكلنا جميعا معه ولكن بعدما انتهى من الأكل قام يصرخ ويزمجر بشدة وأستمر كذلك وأنا أحاول فهم السبب!! ولكن السبب لم يكن واضحاً لي حتى وصلت إلى جسر الملك فهد متجها إلى جوازات الخروج، كان ابني يصرخ بصوت عال دون مراعاة من حوله عند غرفة الجوازات وعند الجمارك في الجهتين (السعودية والبحرينية) وهو على هذا الحال قرابة الأربع ساعات ونصف (اللهم ألهمنا الصبر)
حتى بدأت نفسيتي بالتعب من المواقف التي مررت بها ولكن (يجب الايمان بقضاء الله وقدره) والحمد لله على كل حال.. وأثناء تفكيري في حال ابني وحالي ورد لي سؤال وجهته إلى أم مشعل بطريقة مضحكة (شر البلية ما يضحك):
ــ لا يكون مشعل ما أكل أرز اليوم؟!!
ــ قالت: خرجنا من البيت الساعة الحادية عشرة ولم يتم طبخ الأرز، ولكن مشعل تناول إفطاره كعادته…. وخرجنا إلى السفر…
ــ قلت: ما شاء الله تبارك الله… وضحكت من الهم!!
علمت حينئذ أن المشكلة التي جعلته يزمجر لمدة أربع ساعات ونصف هي بسبب عدم تناوله للأرز كالمعتاد في وجبة الغداء والحمد لله ما سافرنا في وقت الطعمية… هههههههههههه.. وإلاّ كانت مصيبة.. وصلنا إلى المنزل في البحرين وكان الأكل جاهزا (الأرز) فما ان رآه حتى تبسم وكأن شيئاً لم يكن..
تخيلوا معي المعاناة التي مررنا بها بسبب الأرز!!! الحمد لله أن هناك طعمية في البحرين وإلا لكانت مصيبة أخرى!!
عند العودة من البحرين (في الحادية عشرة صباحاً) حرصنا على أن يكون الأرز جاهزاً وقمنا بإطعامه قبل الخروج من المنزل وقمنا أيضاً بأخذ كمية احتياط في السيارة (ما ندري يمكن تكون مشكلة إذا لم يكن الأرز موجوداً) وقمت أيضا بشراء الطعمية وجهزتها في الحافظة لربما بدأ يزمجر عندما يحين وقتها ونحن في الطريق!!!!
حقيقة أخوتي وأخواني الكرام.. كم هي معاناة وجود طفل توحدي لدى الأسرة حيث يتطلب من الأسرة أن تكون دقيقة في كل شيء يخص ذلك الطفل الذي لاحول له ولا قوة.
























