بقلم الدكتورة ربيعة بورقبة – المغرب
الطفل العربي والثقافة الإلكترونية كتاب من تأليف زينب سالم أحمد عبد الرحمن، إصدار دار العلم والإيمان للنشر والتوزيع، الطبعة1، 2015، عدد الصفحات 189 صفحة.
لا شك أن أطفالنا الآن يعيشون طفولة مختلفة تماماً عن الطفولة التي عاشتها الأجيال السابقة، حيث تتوفر لهم كثير من الوسائل والوسائط التكنولوجية التي تجعل حياتهم الثقافية أكثر ثراء وتزاحماً بكثير من أنواع الثقافات والمحصلات الفكرية والعلمية.
إذ من الواضح أن الطفولة في حالة من التشبع المستمر بالتكنولوجيا، وكما نرى من التلفزيون إلى الإنترنت، ومن ألعاب الكومبيوتر إلى الحاسبات الشخصية ومن مسجلات الفيديو النقالة إلى الهواتف المحمولة، يبدو أن أطفالنا يرتبطون بها ويحاولون ممارسة التوافق مع هذا المدى الواسع من التكنولوجيا في المنزل والمدرسة وفي العالم الكبير من حولهم.
الطفل واللعب الإلكتروني:
الألعاب الإلكترونية ظاهرة حقيقية في مجتمعنا، فلا يكاد يخلو بيت أو شارع من مكان يعرض تلك الألعاب. فأصبحت هذه الأخيرة تشكل جزءاً من ثقافة الطفل مما دفع بالعلماء والمهتمين إلى ضرورة الاهتمام بتربية الأطفال ومراقبتهم نظراً لخطورة الوضع.
وقد أجريت العديد من الدراسات في الدول العربية وفي الخارج عن الآثار النفسية التي تخلفها ألعاب العنف في شخصية الطفل حتى أن بعضهم يحكي أن مراهقاً ارتكب جريمة مروعة بحقّ أحد أفراد الشرطة لأنه كان يقلد البطل الذي يلعب دوره في ألعاب المغامرة.
وهنا يؤكد علماء الاجتماع أن ألعاب الكومبيوتر العنيفة تقدم فرصة لتعلم وممارسة الحلول العنيفة في النزاعات، ويضيف أن ممارسة هذه الألعاب على المدى القصير، يزيد العدوانية عند الأشخاص، لأنه يضع الأفكار العدوانية في المقدمة. أما الآثار البعيدة الأمد فقد تكون دائمة، لأن اللاعب يتعلم ويمارس حيلاً لها علاقة بالعدوان وقد تصبح أكثر ألفة للاستعمال وقت النزاع على أرض الواقع.
الطفل وقضايا الثقافة الإلكترونية:
تواجه الثقافة العربية هجوماً شديداً من جانب الثقافة الغربية التي تمتلك وسائل التكنولوجيا والاتصالات التي تحقق انتشاراً واسعاً في دول العالم، ولذلك تحتاج الثقافة العربية إلى تجديد وابتكار مع المحافظة على الملامح الأصيلة للهوية الثقافية العربية، والدعوة إلى المحافظة على الهوية العربية الإسلامية ليست دعوة إلى التقوقع حول الذات، والبعد عن التطور والتقدم في العالم، بل هي دعوة للتمسك بكل ما هو أصيل ونفيس في ثقافتنا.
والخطوة الأولى التي نحتاجها جميعاً كعرب أو كدول نامية هي زرع الثقة بالنفس في نفوس الأطفال وإلغاء فكرة الخضوع للسيطرة والهيمنة التي فرضتها علينا قوى العولمة الثقافية.
فنحن في حاجة إلى تعديل وتخطيط وتطوير الثقافة التي اعتدنا عليها، ثقافة الاقتناع بما هو كائن وأنه لم يكن في الإمكان أفضل مما كان، وأن نربّي أطفالنا من خلال الثقافة المقدمة إليهم على الثقة والاعتزاز وعدم الشعور بالدونية والرضا عن أخلاقنا وقيم ديننا الحنيف وعدم الانبهار بكل ما هو غربي.
وتعد العولمة الثقافية وضعف الإعلام العربي وكذلك قصور التخطيط التربوي من أخطر التحديات التي تواجه الهوية الثقافية، فلو تضافرت الجهود في صياغة الثقافة العربية الإسلامية بشكل يتناسب مع العصر الحديث، وعرضها بالوسائل الإلكترونية حتى تصل إلى المثقف العربي وغيره من مستخدمي الثقافة الإلكترونية بالتأكيد سيصبح لدينا القدرة التنافسية التي تسمح لنا بالوجود في الساحة الثقافية.
وفي ذات السياق، ظهر مؤخراً اهتمام كبير بأهمية لغة الطفل في عصر العولمة نظراً لتأثير الوسائط الإلكترونية على لغة الطفل، فقد عقد مؤتمر عالمي نظمته جامعة الدول العربية بالتعاون مع المجلس العربي للطفولة والتنمية يهدف إلى التعرف على واقع اللغة العربية في الوقت الراهن وتحديد أدوارها ووظائفها في تشكيل هوية الطفل العربي، إضافة إلى وضع اللغة العربية في مجتمع المعرفة ورصد السبل والآليات التي تمكن اللعة العربية من الانفتاح على الثقافات الأجنبية.
يرى بعض الباحثين أن وسائل الإعلام لها تأثير إيجابي على علم تعلم واكتساب لغة جديدة بالنسبة لأطفال المرحلة الابتدائية. كما أن العوامل الاجتماعية والثقافية ووسائل الإعلام تعد من العوامل الهامة بالنسبة لاكتساب الطفل لألفاظ لغوية جديدة تستخدم في التعبير الشفهي ويدركها الطفل جيداً.
تقول الباحثة: “العلاقة بين اللغة والثقافة علاقة قوية ودقيقة، والطفل حينما يعبر باللغة فهو يُعبّر عن ثقافة خاصة به وبالمجتمع الذي يعيش فيه، وعلاوة على ذلك فإن نموه اللغوي يعني بالضرورة نمواً ثقافياً واجتماعياً”.
الانعكاسات التربوية للثقافة الإلكترونية:
لا شك أن مرحلة الطفولة مرحلة أساسية وهامة في حياة الإنسان. فهي مرحلة زرع البذور حيث تحدد معلم شخصية الفرد ويكتسب من خلالها سلوكياته واتجاهاته، وتتميز مرحلة الطفولة بالمرونة القابلة للتشكيل؛ فنجد أن الأطفال أكثر الفئات العمرية استجابة للتغيير الاجتماعي والثقافي، ومن ثم فهم صانعو التطور والتغيير في المستقبل وبإمكان الصغار نقل التغيير وملاحظته واحتضانه، فهم يعرفون عن الكومبيوتر والإنترنت أكثر من الكبار.
هذه الثقافة التي تحمل في طياتها الكثير من الإيجابيات والسلبيات أيضاً، هذه الآثار السلبية التي بدأت بعض الدول المتقدمة بِجَني ثمارها فيما يعرف باسم “التكنوبولي” أي سيطرة التكنولوجيا على الثقافة والحضارة وما ترتّب عليها من موجات مؤسفة من الانحلال الخلقي والتفكك الأسري، وتفشي الإدمان، والمخدرات وسيادة العنف والجريمة، وزيادة معدلات إيذاء النفس وتفكك النسيج الاجتماعي.
فمثلاً بالنسبة للحياة الاجتماعية فقد تأثرت بالتكنولوجيا الحديثة بوجهيها السلبي والإيجابي، فيمكن أن نقول أن التكنولوجيا يسّرت سبل الاتصال بين أبناء البشر وقربت المسافات بين الأشخاص فأصبح الاتصال بأي شخص في العالم ممكناً وسهلاً ورخيص التكلفة ولكنها في نفس الوقت فرضت نوعاً من العزلة الاجتماعية، نستطيع القول إن التكنولوجيا قرّبت البعيد وأبعدت القريب، وأصبحت مشكلات العزلة والتفكك الأسري وصراع الأجيال تنمو وتزيد بزيادة انتشار التكنولوجيا واستخدامها.
ولا شك أيضاً أن هناك انعكاسات أخرى منها ما له صلة بالجانب الديني سواء من خلال استغلال التكنولوجيا للدعوة وهذا إيجابي لكن قد يكون الأمر سلبياً عندما يتلقى الأطفال المواضيع الدينية ذات الصبغة المتشددة كما تفعل ذلك التنظيمات الإرهابية.
صحيح أن للوسائط الإلكترونية الكثير من الانعكاسات الإيجابية والسلبية التي تؤكدها الكثير من الدراسات، لكن لا شك أن الجانب السلبي طغى على الجانب الإيجابي خاصة بالنسبة لتكوين ثقافة الطفل غير المراقَب. وهذا ما يفرض إعادة ترتيب أوراق ثقافة الطفل ورسم خريطة جديدة لاستخدام الوسائط كوسيط ثقافي فعّال في بناء وتكوين ثقافة الطفل.






















