لسيرة أئمة الإسلام وعلمائه عطر له رائحة تفوح بالرضا واليقين ،وتتبع هذه السير يهبنا الإحساس بقيمة الأعمار المباركة التي قدر له أن تتوج ساعاتها ودقائقها بوميض يضيء للطريق معالمها، وللسعادة منهجها.
وحديثنا بجميل ومضه وفيض نبضه يستقر عند شيخ من شيوخ الإسلام وأئمته.. القارىء الحافظ للسنة والفرائض.. الأعمش سليمان بن مهران. الرازي الأصل.. الكوفي المنشىء.. من موالي قبيلة أسد.. وكنيته أبو محمد..
للأعمش ـ رحمه الله ـ صفاتٌ التصقت بشخصه، فقد كان عزيز النفس قنوعاً.. خفيف الظلٌ.. عذب الروح.. سريع البديهة.. حاضر الجواب.. فهو الإمام الثقة الذي يقدم في مجلس علمه الفقراء على الأغنياء.. كساؤه التواضع وحليته التقوى..
علاقته بالآخرين تتسم بالتراحم والتوادد واللطف والعطف والذوق الرفيع والخلق الكريم.. وهي إذ ذاك علاقة إنسانية باتت مفتاحه الحقيقي لقلوب الناس وعقولهم.. اختزل خلالها الوقت والجهد في ايصال رسالته السامية في الإسهام في التربية والتوجيه والتعليم والتبصير لأمور الدين والدنيا… حتى بات يستقطب قناعات الناس الذين أحبوا فتاواه.. فما انفكوا يكتظون عند بابه.. يبحثون عن علمه النافع.. ويتزاحمون على مجلسه الذي تهب منه ريح الإيمان.
ومع أنه كان أعمش (ضعيف البصر) إلا أن بصيرته فاقت منتهي بصره.. فكان لقلبه نور يضيء دربه.. ويهديه صوابه.. فيدرك الأمور من خلاله..
حتى أن بلغ بعلمه وحفظه في الناس منزله عالية.. وقد روى الكثيرون عنه؛ لأنه كان من أحفظ الحفاظ في عصره.
والحق أن الأعمش كان من كبار النساك حريصاً على الصف الأول إذا عرض القرآن أمسك الناس مصاحفهم.. فيمضي في القراءة لا يخطىء في حرف واحد.. وما علم أنه فاتته الجماعة.. فما كان يضن بعلمه.. ولا يحدث إلا بقدر وإذا لم يجد فرص التلقي مهيأة لا يحدث.. حتى قال عنه أبو الحافظ الذهبي هو شيخ الإسلام وشيخ المقرئين وشيخ المحدثين.
وللبشاشة والابتسام وروح الدعابة التي ترافقه زمانه ومكانه.. فله في ذلك حادثة يرويها توضح إذ حكي يوماً لأصحابه قائلاً: اعترضني جندي عند نهر فأمرني أن أحمله على كتفي في الماء سخرة.. فلمل ركب على كتفي قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) فألقى الأعمش بنفسه في النهر وهو يقول: (رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين).. فسقط الجندي بملابسه في الماء.. وولي بعدها شيخنا هارباً.
ولقد عمر الأعمش سليمان بن مهران طويلاً، حتى مات في الثامنة والثمانين من عمره.. في أوائل الدولة العباسية.
فرحمه من الله واسعة لمن عطّر التاريخ من عذب روحه حبوراً… ومن طيب سيرته وعلمه سعداً وسروراً.
























