(تهتم الفلسفة بدراسة جوهر طبيعة الوجود الإنساني وعلاقة الإنسان بمثل هذا الوجود .. وفي عالم المعرفة تجسّد العلوم الخاصة الأشجار التي تشكل الفلسفة التربة التي لاتقوم للغابة قائمة دونها)
ايان راند Ayan Rand (من يحتاج الفلسفة؟)
تمثل الفلسفة نظاماً شاملاً للأفكار التي تتناول الطبيعة الإنسانية وكذلك طبيعة الواقع الذي يشكل قوام حياتنا مما يجعلها دليل حياة البشر لجوهرية القضايا التي تعالجها وشموليتها ، وهي ترسم لنا المسار الذي نسلكه في حياتنا الذي يعيننا على التعامل مع الناس الآخرين.
وتتعاطى الفلسفة مع عدد من المواضيع المتميزة على رأسها الميتافيزيقيا (ما وراء الطبيعة) Metaphysics (نظرية الواقع) ونظرية المعرفة Epistemology وعلم الأخلاق Ethics وعلم السياسة Politics وعلم الجمال Aesthetics.
وتشكل الأديان المختلفة مثل البوذية والمسيحية واليهودية والإسلام موئلا وذخيرة ثرة للأفكار التي تقدم معلماً فلسفياً غير أن الديانات تختلف عن الفلسفات ليس في طبيعة المواضيع التي تتعاطى معها إنما في طبيعة الوسيلة التي تنتهجها في التعامل مع تلك المواضيع. وتحتكم الكثير من الديانات في الوقت الحاضر إلى الإيمان الصوفي الباطني وكذلك إلى الوحي والإلهام التي تمثل أنماط العقائد التي تدّعي الشرعية والصحة بعيداً عن المنطق والمنهج العلمي فيما يتصل بالمسائل الكبرى على الأقل.
في اللغة اليونانية تعني الفلسفة (حب الحكمة). وهي تستند إلى الجدل العقلاني وتحتكم إلى الحقائق. وتاريخ العلوم الحديثة يبدأ بتساؤلات فلسفية في العادة، ويظل منهجا التجريب العلمي والإستدلال مثالان للنهج العام الذي يسعى الفيلسوف لطرحه عبر التساؤلات وهو منهج منطقي ومحكم. وفي الوقت الذي تركز فيه العلوم على التساؤلات الإختصاصية ضمن ميادين محددة فإن التساؤلات التي تتعاطى معها الفلسفة تظل عامة جدا وجوهرية في فحواها وهي التي تشكل الأساس للعلوم.
من جانب آخر تطرح الفلسفة أكثر الأسئلة عمقا وشمولية كما يقتضي تناول القضايا التي تهتم بها فروع الفلسفة المختلفة تفاعل الخزين المعرفي الذي يحمله المرء حول الواقع (الميتافيزيقيا) أو الجانب الإنساني (نظرية المعرفة وعلم الأخلاق وعلم السياسة وعلم الجمال). ثم إن بيان مواقف معينة أو طرح وجهات نظر ما ضمن إطار الفلسفة مهمة صعبة للغاية فالفلاسفة الحقيقيون درجوا دوما على الإختلاف حول قضايا أساسية أما الاخرون فقد تمكنوا من تمرير وجهات نظرهم إلى حقل الفلسفة المترامية الأطراف. لهذا السبب لا توجد فلسفة واحدة بذاتها في أرجاء المعمورة مثلما هو الحال مع وجود علم فيزياء واحد إنما هناك فلسفات كثيرة ومتنوعة.
وعبر مسار التاريخ قدم الفلاسفة أنظمة كلية شاملة في مختلف ميادين الفلسفة، فأرسطو الذي ينظر اليه بإعتباره مؤسس علم المنطق ابتدع مثل هذا النظام في الفترة التي عاش فيها ودعا إلى إمكانية معرفة البشر بالواقع الذي يعيشونه حتى يصلوا إلى تحقيق السعادة. وفي الحقبة الزمنية الماضية القريبة كتب فلاسفة مثل جون لوك John Locke وعمانوئيل كانط Immanuel Kant عن الأفكار التي آمنوا بها ، أما الفلاسفة المحدثون فعمدوا إلى التخصص في مجال فلسفي محدد رغم ظهور بعض المدارس الفلسفية التي تميزت بتوجهاتها العامة حول مختلف القضايا فضلا عن الإعجاب الذي أبداه الفلاسفة الذين ينتمون إلى تلك المدارس لسلسلة متصلة من الشخصيات التاريخية. وقد شملت تلك المدارس توجهات مثل الفلسفة الذرائعية Pragmatism والفلسفة الوضعية المنطقية Logical Positivism والفلسفة الوجودية Existentialism وغيرها من الفلسفات المعروفة داخل أروقة الجامعات وليس خارجها.
وفي أيامنا هذه بدأت القضايا الفلسفية تدخل حياة الناس العامة من خلال الحركات السياسية أو الإجتماعية التي يستلهم البعض منها افكاره من الدين مثل النزعة المسيحية المحافظة Christian Conservatism فضلا عن مدارس علمانية مثل المدرسة البيئية اليسارية والأشتراكية. وتتبنى مثل هذه المدارس أفكارا ومعتقدات خاصة بها ideologies. ورغم أن اهتمام تلك الحركات الإيديولوجية يتمحور حول السياسة فإن معتقداتها السياسية تتجذر في المفاهيم المشتركة الخاصة بالواقع والطبيعة البشرية والقيم.
























