أن تكون لك ذكريات سواء حزينة أو سعيدة، فإن هذا واقع، وهذا يعني أيضاً أن لا سبيل للإنسان للتخلص من الماضي، ولا يملك أن يقوم باختيار ما الذي يريد مسحه من ذاكرته، وما الذي يريد تثبيته، فالعقل يقوم بواجبه في حفظ كل شيء.
والغريب أن الذكريات والمواقف الأكثر ألماً في حياتنا تبقى لوقت من الزمن متوهجة وحاضرة دوماً في يومنا ومستقبلنا، بل البعض وبسبب مثل هذه المواقف المؤلمة وتوهج ذاكرتهم بها وبتفاصيلها يصاب بأمراض نفسية بالغة التعقيد. على سبيل المثال من يتعرض للاغتصاب تجد هذه الجريمة، رغم مرور الوقت، حاضرة بتفاصيلها المؤلمة وتؤثر على حياته تأثيراً بالغاً، ولعل الشائع في مجتمعاتنا التأثر الكبير بوفاة عزيز علينا، حيث يقوم العقل باستحضار كل ذكرى جميلة جمعتنا بهذا الفقيد، بل تصبح الأماكن والضحكات والأجواء أدوات تجعل العقل يظهر لنا صوراً من الماضي، فتتحول ضحكاتنا إلى أحزان، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحال، فسرعان ما يصبح الإنسان مصاباً بالاكتئاب وغيره من الأمراض التي فعلاً تحتاج إلى علاج ومراجعة لمعالج نفسي.
هناك مشكلة كبيرة في هذا السياق، وهي أن الذي يستسلم للذكريات المؤلمة ولا ينمي في واقعه وحاضره أحداثاً جديدة ومواقف جديدة ولا ينظر إلى الحياة بتفاؤل وحب وانطلاق، هذا النوع الذي يركن للسلبية وعدم المقاومة تصبح الذكريات والماضي المتحكمان في حياته بل وفي شخصيته المستقبلية، وهو ما يعني مشارفته على الانهيار.
للمفكر الهندي جيدو كريشنا موتري كلمة معبرة في هذا السياق حيث يقول: (إنّ تصرفاتنا وسلوكياتنا في الحاضر، تحددها تأثيرات اللحظات والأحداث والتجارب القوية والآثار الباقية من الماضي، والتي تراكمت على مرّ الأعوام).
أثر الذكريات والصدمات العاطفية لم تعد كلمات تنظيرية، بل باتت حقيقة أكدتها الكثير من البحوث والدراسات التي ذهبت إلى أن الذكريات الحزينة أكثر ألماً من أوجاع الجسد.
من هذه البحوث دراسة نشرت في صحيفة (جورنال سايكولوجيكال ساينس)، والتي بينت أن علماء وباحثين نفسيين توصلوا إلى أن الذكريات المؤلمة المرتبطة بالتجارب العاطفية أكثر إيلاماً من تلك المتعلقة بالألم البدني.
ويقول الباحث شينسينج زين من جامعة بوردو في ولاية إنديانا الأمريكية؛ إنه من الصعب إحياء ذكرى الألم البدني مقارنة بالألم العاطفي والاجتماعي.
ويقول مايكل هوجسمان الأخصائي في علم نفس الطفل في ألمانيا: (في الألم البدني يمكن رؤية الجراح، أما الألم العاطفي فهو يخلف في الغالب القلق والخوف). ويتابع قائلاً: (لو قال تلاميذ لزميل لهم إنهم سيعتدون عليه بعد المدرسة فهو سيعيش في قلق وخوف أكبر بكثير مما قد يحدث له بالفعل). وفي الحقيقة هذا الكلام صحيح بكل ما تعنيه الكلمة.
ليبقى دور كلٍ منا في معرفة هذه الحقائق ومحاولة النظر بتفاؤل ورؤية ثاقبة محملة بالسعادة والانطلاق للمستقبل، وألا يكون حبيساً لأحداث مؤلمة ماضية أو مواقف مؤثرة تحولت لذكريات.
لا أدعو إلى نسيان الأحبة الذين رحلوا على سبيل المثال، لأن الألم سيبقى والشعور بالحسرة سيكون ماثلاً، لكنني أدعو أن تكون ذكرياتنا إيجابية دافئة، وليست قنوطاً وإحباطاً وألماً وشروداً، ولا ننسى ما بين أيدينا من فرحة وسعادة.























