بقلم د. غسان شحرور
لا ينبغي أن نقف طويلًا أمام جنسية الدكتور عمر ياغي أو أصوله، فالنبوغ لا يُقاس بجواز سفر، بل يُبنى على التعليم، ويُروى بالكرامة، ويُثمر حين يُحتضن الإنسان لا حين يُصنّف.
أكتب هذه الكلمات بعدما لاحظت أن الاحتفاء بإنجازعمر ياغي يتخذ أحياناً صورة ضيقة، فهذا يراه أردنياً، وذاك يحتفي به كسعودي، أو فلسطيني الأصل. لكن الحقيقة أن هذا النبوغ لا يُختزل في جنسية، بل يُحتفى به كإنجاز إنساني وعلمي يستحق أن نحتفل به جميعاً، بلا حدود ولا تنازع على الفخر.
حين تُمنح جائزة نوبل للكيمياء لعالمٍ عائلته فلسطينية، وُلد في الأردن، واحتضنته السعودية، وحقق إنجازاته في جامعات ومراكز أمريكا، فإن الجائزة تتجاوز المختبرات لتصبح شهادة على أن بناء الإنسان هو الأساس، وأن الكرامة هي التربة التي ينبت فيها الإبداع، وأن الهوية ليست قيدًا بل جناحاً.
الدكتور عمر ياغي، رائد علم الكيمياء الشبكية ومؤسس الأطر المعدنية العضوية (MOFs)، لم يكتف بتغيير قواعد البحث العلمي، بل أعاد تعريف الانتماء، وأثبت أن النبوغ لا يحتاج إلى تأشيرة، بل إلى بيئة تُؤمن بالإنسان وتُكرّم العلم. لقد أسهم في تطوير مواد جديدة تُستخدم في تخزين الطاقة، وتنقية المياه، والتقاط ثاني أكسيد الكربون، مما جعله في طليعة العلماء الذين يربطون البحث العلمي بخدمة الإنسان والبيئة.
لكن خلف هذا النبوغ قصة لاجئ صغير، نشأ في كنف أسرة فلسطينية اقتُلعت من أرضها، ولم تُقتلع من حلمها. أسرة حملت وجع الشتات، لكنها لم تسمح للظروف أن تُطفئ نور العلم في عيون أبنائها. والده، رغم قسوة اللجوء، لم يرضَ أن يُربّي ابنه على الانكسار، بل على الأمل. دفعه منذ الصغر إلى أن يرى ما وراء البحار، لا هرباً، بل بحثاً عن مستقبل يُبنى بالعلم والكرامة.
تلك الأسرة، التي عاشت مرارة الظلم والتهميش، آمنت أن التعليم هو الطريق الوحيد للنجاة. لم تملك المال ولا النفوذ، لكنها امتلكت الإيمان بأن ابنها يستحق فرصة، وأن المعرفة هي الجسر الوحيد نحو الكرامة. زرعت في عمر الطموح، وسقته بالصبر، وعلّمته أن الانتماء الحقيقي هو للإنسانية، وأن المجد لا يُورث، بل يُنتزع بالاجتهاد.
فلسطين تحتفي به كابنٍ بارٍ رفع اسمها في المحافل العلمية، رغم أن الجغرافيا ضاقت، مع مرارة اللجوء والشتات، لكن الهوية بقيت حيّة في أبنائها، تُقاوم النسيان بالإنجاز.
الأردن يحتضنه كأرض الميلاد والانطلاقة، الحاضنة الأولى لموهبته العلمية، حيث بدأ الحلم قبل أن يعرف اسمه طريق المجد.
السعودية منحته جنسيتها عام 2021، وكرّمته بجائزة “نوابغ العرب” عام 2024، احتفاءً برمزٍ علمي يليق برؤيتها للنهضة والمعرفة، لتقول إن النبوغ العربي لا يُحتكر، بل يُحتضن.
الولايات المتحدة كانت منصته الأكاديمية، حيث درّس في أرقى المدارس والجامعات والمختبرات، وأسهم في تطوير علوم الكيمياء على مستوى عالمي، لتُثبت أن العلم حين يُمنح فرصة، يُثمر عالميًا.
في زمنٍ يُقصف فيه العقل العربي بالتهميش، ويُختزل الإنسان في أوراق ثبوتية، تأتي هذه الرسالة لتقول: إن النبوغ لا يُهاجر، بل يُحتضن.
نوبل هذا العام ليست فقط جائزة… إنها شهادة على أن بناء الإنسان هو المشروع الحقيقي، وأن الكرامة هي الجذر، وأن الأسرة حين تؤمن بابنها، تُعيد تشكيل العالم من جديد.
وهنا، لا بد من دعوة صريحة:
في عالمٍ يتسابق على الجوائز، فلنتسابق على التربية.
في زمنٍ يُستثمر فيه في الحجر، فلنستثمر في البشر.
عزّزوا مكانة الأسرة، لا مكانة الألقاب.
فكل طفل يُحتضن بالحب والتعليم، هو مشروع نوبل قادم… إن أُعطي فرصة.























