أثار خواطري حديث زميلة دراسة قديمة فرقتني وإياها دروب الحياة والتقيت بها مؤخراً في ظروف لم أكن لأتمناها.. رأيت فيها نقطة التحول وفي حديثها نبرة الحماس المندفع ولكن بعقل! وفي عينيها رأيت بريقاً كذاك الذي تشع به عينا العالم عندما يكتشف حقيقة جديدة.. ولكن ليس من السهل دائماً أن يلحظ المرء نقطة التحول، فقد تأتي سريعة أحياناً، وفي أغلب الأحيان تأتي مغلفة أو متأخرة.. نقطة التحول هذه يمر بها جميع من يعمل في مجال خدمة الأشخاص من ذوي الإعاقة فلا بأس من العودة للحديث عن بعض الثوابت في هذا المجال.
إن من غير المستحب أن نقسم العمل مع الأشخاص من ذوي الإعاقة إلى محطات نتوقف عندها برهة ثم نسير لنصل بعدها إلى المحطة التي انطلقنا منها وهكذا تمضي السنوات؛ من محطة نهاية العام الدراسي إلى استراحة العطلة الصيفية فبداية العام واستنهاض الهمم!
إن العمل مع الأشخاص من ذوي الإعاقة عمل متصل غير منقطع لا يحده زمان أو مكان ولا تحول دون استمراره ظروف لأنه ببساطة عمل ليس ككل الأعمال وهدف ليس ككل الأهداف وقضية ليست ككل القضايا.. هل نبالغ! إن لها خصوصية ليست كغيرها.. ولها شمولية ليست كغيرها.. إنها حلم بشري أزلي بالعدالة والمساواة.. إنها رسالة إنسانية دافئة ينبغي أن تصل إلى الجميع، وهي كذلك لأن هناك الكثير من الحقوق تنتظر من ينتشلها من المجتمع ومؤسساته بمختلف الوسائل المتاحة ليحصل كل ذي حق على حقه!
ولأنها كذلك فلابد من كسب الآخرين إلى صف قضايا الأشخاص من ذوي الإعاقة وتحويل تعاطفهم أو شفقتهم أو حتى عدم تفهمهم لصالح هذه القضايا الإنسانية النبيلة.. وقبل ذلك لابد من مساعدتهم في الدخول إلى عالمنا من خلال تسخير وسائل الإعلام جميعاً وبلا استثناء لخدمة أهدافنا وتعريفهم بالإعاقة والأشخاص من ذوي الإعاقة ووضع برامج للتوعية الاجتماعية الشاملة، فالكثير منا لا يعلم ما يكفي من الحقائق عن الأشخاص من ذوي الإعاقة، وعن مدى حاجتهم لتكافل أبناء المجتمع من أجل تمكينهم من الحصول على حقوقهم وأخذ مكانتهم إلى جانب غيرهم من الفئات.
والكثير منا لا يعرف / أو لا يقدر كم يستغرق الطفل ذي الإعاقة من وقت ليكتسب القليل من المعرفة! وكم يبذل العاملون من جهد وصبر، وكم يعطون من ذواتهم لخدمة هؤلاء!.. إن الأهداف العظيمة تحملها هامات قوية عالية تجعلنا نكرر دائماً إن بامكاننا أن نقدم أكثر من هذا وعلينا بذل المزيد من الجهد.
ولأنهم كذلك، فإن العاملين المخلصين في مجال الإعاقة ينظرون إلى الكثير من القضايا التي تهم الأشخاص من ذوي الإعاقة على أنها أمور مسلم بها يعايشونها يوماً بيوم وتسري في عروقهم مع الدم، فيما تعتبر بالنسبة للكثير من الناس ممن لم تسمح لهم الظروف بمعايشة هذه الفئات والتعرف عليها عن قرب أموراً مجهولة أو غير متوقعة. ومثال ذلك: إن من يعمل في المجال أو يعيش قريباً من طفل ذي إعاقة سمعية يعلم ويتوقع أن هناك صعوبات متفاوتة في النطق عند هذا الطفل، وعندما يستمع إليه يتوقع حاجته إلى الوقت لاستخراج الكلمات والتعبير عن نفسه ويكون قد تعود على طريقة هذا الطفل في الكلام فلا يستغرب أو يشفق. أما من يستمع إلى هذا الطفل للمرة الأولى وليس لديه دراية بطبيعة إعاقته فإنه إما أن يحزن عليه أو قد يبكي للتعبير عن تعاطفه مع معاناته في محاولته اخراج الأصوات بصعوبة شديدة، وإما ـ وهذا يحدث في حالات لا تستحق الذكر ـ تراه يعبر عن دهشته بالضحك! وهو هنا شخص عديم الإحساس ضيق الأفق.
ولكن عندما يخاف الأهل على أبنائهم فلذات أكبادهم من التعرض للإعاقة، ويشعرون بمعنى القلق على مستقبلهم وتوفير احتياجاتهم.. وعندما يشعر الأهل ولو في لحظة عابرة أن (ابننا قد يكون مختلفاً).. هنا تظهر نقطة التحول وتبدأ رحلة البحث عن المعرفة وتظهر الرغبة في تقديم الخدمة للآخرين.
وللأسف، لا ينطبق هذا القول على الجميع بل فئة معينة واعية تحمل هم تربية الأبناء وهم الآخرين وتعلم أن للعطاء مذاقاً حلواً لا يعرفه إلا من جربه! فلماذا لا نوسع قاعدة هذه الفئة الواعية.. وإلى متى نترك حياتنا تسيرها الاستثناءات… أليس من المستغرب أن يستقر الهرم على قمته بدل قاعدته العريضة!!
إن عودة الأمور إلى نصابها لا تتم إلا بكسب المزيد من التفهم والدعم لقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة وانضمام العديد من أبناء المجتمع إلى ركب الداعمين الفعليين لهذه القضايا.. أو حتى المتفهمين لها.. وهو أضعف الأيمان.
… مع خالص مودتي
جميلة بنت محمد القاسمي
























