بقلم نورا الشرابي
لقد أصبحت التكنولوجيا بكل مفرزاتها عصب الحياة على مستوى الأفراد والجماعات والحكومات؛ فالزمن لا يعود إلى الوراء، ونحن نسير بسرعة الضوء نحو مستقبل رقمي حدوده السماء، ولا يمكن لعقل بشري أن يتنبأ بما سيجلبه لأجيالنا الحالية وللأجيال القادمة.
تقبع الأسرة تحت هذه المظلة الرقمية بكل أدواتها التي امتدت إلى كل أفرادها صغيرهم وكبيرهم. إذ يكاد من المستحيل أن تجد فرداً لا يملك هذه الأداة الرقمية أو تلك، فهل نرحب بالقادم دون أية محاولة للسيطرة أو الترشيد أو الرقابة؟ وهل نترك الباب مفتوحاً على مصراعيه؟
اقرا ايضا: الأمم المتحدة تطلق برنامجاً لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة في مصر باستخدام التكنولوجيا
هل نستسلم لأدوات التكنولوجيا كلياً تاركين أبناءنا (الأجيال القادمة) غارقين في تطبيقاتها من هواتف ذكية ولوحات إلكترونية وحواسيب؟
لا شك أن هذه الأدوات في وقتنا الحالي أفادت الأهل كثيراً، ومكنتهم من تحديد مواقع أبنائهم، والتواصل معهم في كل الأوقات، ورفعت عن كاهلهم عبء التعليم والبحث لمساعدتهم في أداء فروضهم المدرسية. لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن نتجاهل حقيقة أن تلك الوسائط تتطور بمعدل متسارع جداً قد يسبقنا بأشواط، وينال من الأجيال القادمة قبل أن نعي ما حصل.
الغريب في الأمر أن معظم العائلات تسارع إلى شراء أحدث ما تقدمه التكنولوجيا لأبنائها، وبالتالي هم يدفعون جزءاً كبيراً من مدخراتهم ومداخيلهم المادية.
نحن نضع بين أيدي أبنائنا فائضاً كبيراً من تطبيقات التكنولوجيا قبل أن نعرف آثار هذه الاستخدامات المستقبلية عليهم. وبدلاً من أن تقتصر مهمة الهاتف مثلاً على كونها وسيلة للاتصال والاطمئنان، أصبح الهاتف رمزاً للتنافس على امتلاك أحدث ما تمخضت عنه المخترعات الحديثة.
وبدلاً من أن يكون الحاسوب وسيلة الأبناء للبحث والتعلم، أصبح نافذة لألعاب افتراضية لانهائية تستهلك الوقت وتجتر لحظات الطفولة البريئة.

إن ارتباط الأطفال بمن حولهم يبدأ وينمو في محيط الأسرة، وإن هذا المحيط مرشح أكثر من غيره أن يقع تحت تأثير هذه الوسائط غير الصحية على الأطفال.
لقد أثرت تكنولوجيا الجيل السابق على بناء الأسرة وخصوصاً في الغرب، حيث كرست مفاهيم كثيرة قوضت أركان الأسر من خلال العروض التلفزيونية والمسلسلات والأفلام التي صورت الآباء على أنهم أنانيون وغير ناضجين وأظهرتهم بمظهر العاجز مقارنة مع أولادهم، فما بالكم بوسائل التكنولوجيا الأحدث التي لا تفارق الأولاد؟ وهنا يمكننا تخيل الاحتمالات اللانهائية من دفق الأفكار والسموم التي يمكن أن تصل إليهم وبسهولة.
يقضي الأولاد معظم أوقاتهم يتصفحون جوالاتهم والوسائط الأخرى الذكية، وبينت بعض الدراسات التي أجريت على الآباء، بأن الأولاد يلقون التحية على آبائهم إثر عودتهم إلى المنزل فقط في (30%) من الحالات، بينما يتم تجاهل الآباء من قبل الأبناء تماما في (50%) من الحالات.
لكن في المقابل أظهرت دراسات أخرى، أن الوقت الذي يمضيه الأبناء في تصفح الوسائط الذكية، بغرض حل الفروض المدرسية، لا يؤثر كثيراً على الأسرة، لكن عندما يقضون هذا الوقت في أماكن افتراضية أخرى، فإن العلاقات الأسرية تتأثر بشكل كبير.
وهنا نجد أن الآباء، البعيدين عن مجال التكنولوجيا، لا يمكنهم توجيه أبنائهم في ترشيد استخدام التكنولوجيا بما يضمن فائدتهم، والسبب في ذلك أن الأبناء متفوقون على آبائهم تكنولوجياً، أضف إلى ذلك عدم احترامهم لسلطتهم الأبوية والتي يعود سببها إلى عدم قدرة الآباء على التحكم بالمحيط الاجتماعي الذي يتواصل معه أبناؤهم في الفضاء الافتراضي.
ففي زمن مضى كان الهاتف العادي وسيلة الاتصال للاطمئنان على الأولاد إن كانوا مع أصدقائهم، لكن الآن هم في تواصل دائم مع أشخاص وأصدقاء لا يعرف الآباء هوياتهم ومن هم وأين يوجدون.
نحن في زمن آخر تماماً، زمن يعطي الأجيال الفتيّة استقلالاً عن المظلة الأبوية ويخرجهم من عباءة سيطرتها.
وللإنصاف فإن الأجيال الفتيّة ليست وحدها المسؤولة عن تفكك العرى الاجتماعية داخل بعض الأسر في ظل الوسائط الذكية، وإنما يشاركهم في هذه المسؤولية الآباء أنفسهم ممن طالتهم أذرع التكنولوجيا الذكية فغرقوا فيها كما غرق أبناؤهم.
ومما يزيد الطين بلة، أن الآباء، ومن خلال محاولاتهم رأب الصدع مع أولادهم، لا يلجأون إلى مواجهة تقليدية وجهاً لوجه، وإنما يفعلون ذلك بالانضمام إلى فضاءات أبنائهم على النت ومشاركتهم اهتماماتهم.
هذه الظاهرة نوقشت بين مجموعة من الآباء الذي يحاولون كسب صداقة أبنائهم من خلال مشاركتهم نشاطاتهم على الفيس بوك وأمثاله من وسائل التواصل الاجتماعي بهدف متابعة تحركات أبنائهم وأصدقائهم وبهدف التقرب إليهم أكثر. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو رد فعل الأبناء على هذا الشكل من الصداقة مع آبائهم؟
أظهر استبيان رسمي أجري على العشرات من المراهقين أن رد فعلهم العام كان النفور من هذه الصداقة.
لقد تغيرت طبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء في ظل التكنولوجيا الحديثة ووسائطها الذكية إلى درجة أن التواصل داخل المنزل بين أفراد العائلة الواحدة بات من خلال الرسائل النصية وغيرها.
ومن عواقب ذلك أن المسافة بين الآباء والأبناء تزداد بعداً، مما يجفف منابع التواصل الحقيقي والحميمية والحب بين أفراد الأسرة الواحدة.
قلة التشارك ستضعف تأثير الآباء على الأبناء، وستقلل من قدرتهم على توجيه أبنائهم، وعلى إعطائهم مثلاً أعلى يحتذون به، فضلا عن صعوبة اقتناص الفرص من قبل الآباء لإيصال القيم الإيجابية ورسالة الحياة إلى أبنائهم.
لا نهدف بما أسلفنا إغلاق الباب أمام هذا المستقبل الشاسع بكل ما فيه، إذ أن هذا القطار لا يوقفه شي، ولكن لتسليط الضوء على بعض الجوانب السلبية، عسى أن نكون قادرين على تحقيق الفائدة القصوى من تلك الوسائط، مع الوعي الكامل لما تحمله من أضرار محتملة، فنتناولها ترشيداً وليس منعاً، ونحاول مقاربة هذا التأثير المتبادل بين ما تقدمه لنا التكنولوجيا وبين القيم الإنسانية والتماسك الأسري.
























