بقلم: د. روحي عبدات
rawhiabdat@gmail.com
حددت منظمة الصحة العالمية شعار اليوم العالمي للصحة النفسية للعام 2021 بالرعاية الصحية النفسية للجميع، لنجعل هذا الشعار واقعاً)، وهي مناسبة عالمية يتم الاحتفال بها في العاشر من أكتوبر من كل عام.
وفي توقيت المناسبة هذه السنة، تكون 18 شهراً مضت منذ اندلاع جائحة كوفيد-19.
وفي حين بدأت الحياة تعود إلى شيء من طبيعتها في بعض البلدان حسب منظمة الصحة العالمية، إلا أن معدلات انتقال العدوى والاستشفاء لا تزال مرتفعة في بلدان أخرى، مما يواصل إرباك حياة الأسر والمجتمعات المحلية.
وألحقت الجائحة أثراً فادحاً على الصحة النفسية للناس في جميع الدول، فتضررت بشكل خاص بعض الفئات، ومن بينها العاملون الصحيون وغيرهم من العاملين في الخطوط الأمامية، والطلاب، والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، وأولئك المصابون بحالات صحية نفسية أصلاً.
وفي الوقت ذاته، أظهر المسح الذي أجرته منظمة الصحة العالمية في أواسط عام 2020 بوضوح أن الكثير من خدمات الصحة النفسية قد تعطلت بسبب الجائحة، مما تسبب في تأخير استشفاء هذه الفئات التي تحتاج إلى عناية نفسية.
ومن زاوية أخرى، ألقت الجائحة بظلالها النفسية على مختلف فئات المجتمع، سواء من حيث التخوف والرهبة في التعامل مع الفيروس، أو من خلال ما أنتجته الجائحة من تباعد اجتماعي، وطرق تواصل وتعليم وعمل عن بعد، قللت من التواصل المباشر بين أفراد المجتمعات، وهو ما عزز من عوامل العزلة عند بعض الفئات، وقلل من فرص تواصل الأطفال المباشر من بعضهم البعض، وخلق بيئة خصبة لعوامل وظروف نفسية تساهم في اضطرابات كالاكتئاب والقلق وغيرها.
إن الإصابة بالمرض عموماً تترك آثارها النفسية على المرضى، نظراً للارتباط المباشر والتأثير المتبادل بين النفس والجسد، حيث المكوث لأيام وساعات طويلة في غرف العزل وما يتركه من آثار على المرضى وتفكير سلبي في تبعات المرض وتطوراته، إضافة إلى الآثار العصبية التي لاحظها الأطباء على المرضى والتي امتدت في بعض الحالات لشهور بعد مرحلة الشفاء من المرض، إضافة إلى الصحة النفسية لمرافقي المرضى وأسرهم، والكوادر الطبية والتمريضية التي كرست من وقتها وجهدها وحياتها للعناية بالمرضى رغم مخاطر الإصابة وقلق انتقال العدوى، وما ينجم عن ذلك من شعور بالذنب عندما يكون الفرد سبباً في إصابة أشخاص آخرين من حوله.
كل هذه العوامل والظروف وغيرها تعطي مشاهد مختصرة حول آثار الجائحة على الحياة النفسية والاجتماعية للناس، وطرق التواصل والتفاعل الاجتماعي التي تغيرت وتكيف الناس معها لفترة طويلة من الزمن لدرجة أنها أصبحت جزءاً من حياتهم، حيث يتضح من حالات الأوبئة والأزمات عموماً أن لها انعكاسات قد تكون بعيدة المدى، وتأثيرات خفية قد لا يتم الانتباه إليها أو تجاهلها.
حتى في مرحلة العودة إلى الحياة الطبيعية، نلاحظ أن العودة الفجائية قد تترك آثاراً سلبية على بعض الفئات التي تحتاج إلى فترة من التكيف وفهم المرحلة القادمة، وخاصة الأطفال الذين اعتادوا على نظم حياة تعليمية تفاعلية وتواصلية معينة خلال فترة الأزمات، مما يتطلب تهيئتهم من جديد للدخول في مرحلة التعافي، ليكونوا مستعدين لها ومتقبلين للحياة الاجتماعية الجديدة وقواعدها.
























