بقلم نورا الشرابي
تحمل كلمة “روتين” في أذهان كثير من الناس معنىً سلبياً؛ فربما ارتبطت هذه الكلمة بالرتابة المملة، أو بفقدان الحافز على التغيير، أو بالحد من الإبداع والتطوير، أو بالركون إلى عادات سيئة غير صحية، وغيرها من الأمور التي تسهم في نسج حياة تجانبها السعادة.
اقرا ايضا: العلاج الوظيفي والروتين اليومي: كيف نبني عادات وظيفية للأطفال من ذوي الإعاقة
قد يكون هذا التصور عن “الروتين” صحيحاً إلى حدٍّ ما عندما تتحول بعض الممارسات في الحياة اليومية إلى أفعال متكررة ونماذج ثابتة تُقيّدُ الإنسان وتعيقه عن الخروج إلى كل ماهو جديد.
فالإنسان يشعر وكأنه “روبوت” مُبرمج، قد ألقى صانعه جهاز التحكم به بعيداً، وتركه حبيس روتين ممل متكرر.
أسئلة كثيرة تطرح نفسها: فهل يعني الروتين أن يكون اليوم نسخة من الأمس؟ هل فعلاً يدخل الإنسان بملء إرادته سجن التكرار؟ هل الروتين صديق أم عدو؟ هل يمكننا أن نحوّله إلى فرصة؟ هل هو تنظيم ضروري أم جمود قاتل؟ هل هو مَعبَرٌ إلى الاستقرار أم هروب من التغيير؟ هل يمكن أن يفضي التكرار إلى الإتقان؟
الروتين الإيجابي:
لو حاولنا أن ننظر إلى الروتين من زاوية مشرقة لوجدنا أنه أساس في كلّ ما يحيط بنا، بل إنه ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.
فمثلاً يُعتبر الروتين ضرورة للمريض في اتباع تعليمات طبيبه من أجل الشفاء، فالتكرار من حيث الحمية والغذاء وأخذ الدواء مهم جداً للمريض.
وأمّا في أمور السلامة والأمان، فنجد بأن الروتين متمثلاً بما يُسمَّى بـ checklist أو جدول المهام المتكررة لا بدّ منه. فالطيار مثلاً يتّبعُ بروتوكولاً ثابتاً في تحضير طائرته قبل الانطلاق لضمان سلامة الإقلاع ويتبع بروتوكولاً خاصاً لضمان سلامة الهبوط.
كذلك الأمر بالنسبة للروتين العسكري اليومي لأفراد الجيش، فقد تبدو الحركات الرياضية اليومية والتدريب المُتكرر مُمِلاً وليس له طائل، لكن في الحقيقة هو ضبط إيقاع هؤلاء الأفراد على موجة واحدة ممّا يضمن انسجامهم لتحقيق الهدف المراد منهم عندما يكونون في ميدان القتال.
بهذا المعنى الذي ذكرناه في المثالين السابقين في استخدام الروتين يتبيّن لنا كيف أنه أداة مثالية لتجنّب الأخطاء التي قد يقع فيها الإنسان.
ونجدُ أيضاً أن الروتين يدخلُ في صميم بُنية معظم الشركات والمصانع، فبفضل تراكم الخبرات، وإخضاع النتائج سواء كانت سلبية أم إيجابية إلى الدراسة والتحليل، فإنّ كلّ شركة وكلّ مصنع يطور روتيناً خاصاً به بهدف اختصار الوقت وتحقيق إنتاج أغزر وخال من الأخطاء. وفي هذا المقام فإن الروتين يمنع أية إفتاءات شخصية في غير أماكنها والتي قد تؤثر في الإنتاج سلباً، إذ لو طبَّق كل موظف أو عامل رأيه في موضوع ما لأدّى ذلك إلى فوضى، ولانعكس سلباً على المؤسسة.
طبعاً هذا الروتين الذي تنتهجه الشركات والمصانع لا يمنعها من فتح الأبواب للإبداع أو للأبحاث التي من شأنها التطوير المستمر، لكن يتم ذلك ضمن منطق محسوب ومضبوط.
كذلك فإن آلية نقل الخبرات وتوريث المهن اليدوية من جيل إلى جيل تستند في أساسها على الروتين؛ إذ يعتمد في البداية على تعلم حركات أساسية متكررة لابد من إتقانها، ثم يأتي بعدها الإبداع الشخصي.
ومن الآثار الحميدة للروتين أيضاً أنه يساعد في وضع معايير مضبوطة للمحاسبة.
وكمثالٍ على ذلك ما يتّبعه أهل القانون في النظر إلى بعض القضايا، وذلك باللجوء إلى أهل الاختصاص والخبرة في تحديد إن كان الخطأ الذي وقع بسبب خروجٍ عن الروتين المألوف أو هو إهمال من صاحب العمل أو الشخص المصاب.
فيلجأ القاضي إلى الشاهد ذي الاختصاص والذي يضع المعايير من خلال الروتين المتبع في كل مهنة ليستدل على الانحراف الذي حصل ويقضي بموجبه.
“الأيزو” (ISO: International Organization for Standardization) أيضاً يعتبر من الروتين العالمي الإيجابي لأنه يضبط نوعية الصناعات والبضائع المتبادلة بين الدول.
أيضاً كل كتب الإرشادات التي ترافق أي منتج أو جهاز ما هي إلا روتين يجب اتباعه للحفاظ على سلامة التشغيل.
ويبدو أن المخلوقات جميعها تعيش في نظام كوني يعتمد على التكرار والروتين كما هو الحال في شروق الشمس وغروبها أو في ظهور القمر واختفائه أو في تعاقب الليل والنهار والفصول.
الروتين الحيادي:
بعد أن أوردنا أمثلة عن الروتين الإيجابي يمكننا الإشارة إلى وجود الروتين الحيادي، فهو ليس بالإيجابي ولا بالسلبي.
وكمثال عليه الأسرة، فالأبوان في كل أسرة يهدفان إلى الأخذ بيد أطفالهما إلى بر الأمان، فضلاً عن رعايتهم أخلاقياً وعلمياً واجتماعياً ودعمهم مادياً لتأمين حياة مريحة لهم.
ومن أجل هذا الهدف ينخرط الأبوان في روتين يومي متكرر بين العمل خارج المنزل لتأمين المصادر المادية لسدّ احتياجات أفراد الأسرة وعمل داخل المنزل بهدف تليبة احتياجاتهم من طعام ولباس ونظافة وترفيه.
يستمر هذا الروتين لسنين وقد يبدو للمراقب أنه مملّ وأن الحياة تتكرر يومياً بالرتابة ذاتها، لكن في الحقيقة إن هذا النظام الأسري يعبّد الطريق للأطفال ويأخذ بيدهم ويغذيهم فكرياً وروحياً وجسدياً إلى أن يبلغوا أشدّهم.
وبرأيي أن هذا الروتين حيادي فهو يستهلك الأبوين لسنين ممتدة فيبدو من هذه الناحية سلبياً، إلا أنه يصبّ في مصلحة الأطفال، فهو من هذه الناحية إيجابي.
الروتين السلبي:
تندرج كل العادات السيئة من تدخين ومشروبات كحولية وغيرها ضمن الروتين السلبي المؤذي والهدّام.
كذلك تعتبر البيروقراطية من أسوأ أنواع الروتين فهي تستهلك الوقت، وتعطل التطور، وتطيل أمد الوصول إلى إنجاز معين، ولذلك بدأت الدول بالتحول الرقمي للتخلص من هذا النوع من الروتين.
وتعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً رائداً في مجال التحوّل الرقمي مما يضمن تحسين الكفاءة التشغيلية، وتعزيز جودة حياة السكان.
لابد أن ننوه إلى ضرورة عدم تحول الروتين إلى بنية خشبية مصمتة، فبعد إرساء قواعده يمكننا أن نكسر قالبه بهدف تطويره إلى روتين أفضل وأكثر تطوراً وبهذا لا نعطل مسار الإبداع.
بناءً على ما سبق فإن كلمة روتين بالمطلق هي كلمة ضبابية إلا إذا أضيفت إليها كلمة أخرى، فهناك روتين ممل غير مجد، وروتين مبدع، وروتين حوكمة رشيدة، وروتين عبقري… إلخ.
يمكن للروتين أن يكون قوة عندما يكون إطاراً ينظم حياة الأفراد والمؤسسات والدول ويحقق حياة مثمرة ومنتجة وأقل توتراً.
فإن استطاع الإنسان أن يطور روتيناً إيجابياً في أي منحى من مناحي الحياة على المستوى الفردي الشخصي أو على المستوى الصناعي والتجاري أو على المستوى المجتمعي، فإنه بذلك يكون قد وصل إلى المعادلة الفضلى في سيرورة الحياة بما يخدم تطلعاته الإبداعية ونزعته نحو حياة أفضل.






















