إذا كانت (الساحرة المستديرة) قد خلبت ألباب أغلب المبصرين وسحرت عيونهم، فهل يمكن أن يمتد هذا الهوس الكروي ليصيب المكفوفين أيضاً، أم أن فقدهم البصر أنقذهم منه؟
ما إن تشتعل منافسة كروية في ركن من أركان الدنيا الأربعة حتى نفاجأ بمكفوف أو أكثر متسمر مع المتحلقين حول شاشة التلفاز في أمسية كروية ملتهبة.
ظاهرة الاستغراب منها سلوك طبيعي يلائمها، لأن الكلمة العليا في حدث مشاهد كمتابعة مباريات كرة القدم هي للعين، لكن هذا الاستغراب المشروع لن يقف عند هذا الحد، ذلك لأن المشهد الكروي غالباً لا ينتهي عند إطلاق الحكم صافرة انتهاء المباراة إذ ما يلبث أن يندلع جدل أسخن وأشد ضراوة يتناول كل المجريات التي شهدها المستطيل الأخضر.
المكفوفون المشاركون باخلاص في المشاهدة ينخرطون بحماس في المعركة الكلامية التي تعقبها. وعلى الرغم من أنني – والحمد لله – لست من متابعي كرة القدم ولا المتجادلين حولها لأنني امرؤ يعرف حده البصري فيقف عنده، إلا أنني – مع استنكاري لسلوك إخواني المكفوفين الكروي – أستطيع أن أتفهم دوافعهم التي انتجت هذه الظاهرة، لأن القضية – في ظني – هي تحرك في اللاشعور يوجه سلوك الكفيف للاندماج في الحياة الاجتماعية بكل تفاعلاتها، فالكفيف الذي يصر على ألا ينعزل عن حوارات المجالس وهموم الناس السياسية والاجتماعية والاقتصادية يبدو أنه يحب أن يكمل هذه الدائرة التواصلية بالمشاركة الرياضية مخلصاً فيها إلى حد الدهشة، لذا نراه كروي الأعصاب والصوت والحركات والسكنات بامتياز.
الجميل أن اغلب المبصرين واعون لهذه الظاهرة الكف كروية مرحبون بها، ربما كان سبب ذلك أن كثيراً من مناطقنا العربية غير المحظية بالتسهيلات التقنية خيارها في المتابعة الكروية منحصر في الاستماع، بحيث ترى المباريات وتعيش جوها بعيون معلق المذياع.























