كان الإنسان الذي يصاب في سمعه أو بصره أو جسمه يسمى عاجزاً.. وفكرة العجز هذه كانت تلحق العار بصاحبها وتسمم شخصيته وتجلب الحرج لأهله وذويه وكانت توحي بأن هذا الواقع لا يمكن تغييره أو تبديله أو الإقلال من بشاعته وتؤكد بأن مفهوم العجز يمتد إلى المستقبل ويلقي بظلاله على المعاق وأهله. وقد كاد هذا المفهوم الخاطىء السلبي أن يجعل من المعاق إنساناً هامشياً ضعيفاً يحيا بلا أمل ويعيش بلا هدف سدت في وجهه كل منافذ الرجاء وصار من الأفضل أن يستسلم لعجزه وأحياناً ـ كما يقال ـ لمصيبته.
فكرة العجز هذه فكرة جبرية معطلة وخاطئة في أساسها الفلسفي والعلمي والتربوي وتتعارض مع المنطق والعقل ومع كرامة الإنسان ولهذا استبدلت البشرية بعد زمان طويل من كفاحها فكرة العجز وألقت بها بعيداً واستبدلتها بمصطلح الإعاقة وهو دون شك يختلف عن المصطلح السابق اختلاف القوة عن الضعف والحياة عن الموت. وقد أكدت البحوث الحديثة أن الإعاقة ليست عجزاً وليست مصيبة، والمعوق يتمتع بقدرات كبيرة؛ عقلية وفنية واجتماعية وأخلاقية وإدارية والمطلوب من المجتمع بكل شرائحه والأسرة والإعلام والمؤسسات المطلوب منها التعرف على هذه القدرات وإبرازها وتوظيفها في مكانها الصحيح والتأكيد على ما يستطيعه الأصم وليس على ما لا يستطيعه لأن ما يستطيعه كبير وغني ولهذا ينبغي أن نعرف أن الإعاقة السمعية لا تقف دون نمو الأصم نمواً عقلياً أو اجتماعياً أو جسمياً.
فماذا نقول إذا عرفنا أن (حسن إبراهيم) المعاق في ساقيه قد فاز في السباق العالمي للسباحة وقطع بحر المانش عام 1981!! وماذا نقول عن بيتهوفن الذي كتب أجمل سمفونياته بعد أن أصيب بالصمم!! هل نشك بأن هؤلاء لا يملكون طاقات مبدعة! وهل هؤلاء عجزة! بالتأكيد لا.
إنني أجد نفسي صغيراً في العطاء عندما أتحدث عن أمثال هؤلاء الذين هم مثل الجبابرة الذين تحكي عنهم الأساطير.. وهذه هيلين كيلر تتحدث عن مدى ثقتها بقدراتها في كتابها «قصة حياتي» فتقول: «صحيح أنني كنت أتمنى لو أنني لم أخسر سمعي وبصري إلا أنني عودت نفسي ألا أبالي بهذا الذي خسرته وأن أصرف شعوري للاستمتاع بما اكتسبته واكتسبه بالطاقات الكثيرة التي تفجرت ينابيعها في نفسي».
… هذا هو طريق النماذج المتألقة والبطولات التي تفوق الخيال وتتجاوز كل التوقعات وتقهر الألم والفشل والعجز والإعاقة… ولهذا ينبغي أن نتخلى عن التصرفات والأفكار القديمة والبالية في النظر إلى الإعاقة وأن ننشىء جواً تربوياً مفعماً بالحب والود مع الأصم وأسرته وأن ننظر إلى الاعاقة من حيث أسبابها العلمية وطرق الوقاية والعلاج وليس باعتبارها مصيبة حتمية أو عاراً أو عقاباً من السماء وأن نتصرف مع الأصم وكأنه لم يصب بشيء لأنه إنسان عادي من كافة الجوانب وإن حرم حاسة السمع فعنده القدرة على التذكر والتخيل والكلام والحساب والعمل والإدارة وغير ذلك ويجب اشراكه في الحياة الاجتماعية ومساواته مع إخوانه السامعين وإعداده بدنياً وفكرياً ونفسياً واجتماعياً ليتحمل مسؤولياته كاملة ويشارك في بناء مجتمعه وتقدمه.
فالأشخاص الذين لديهم إعاقة سمعية ليسوا أناساً عاجزين أو منفصلين أو غير قادرين على العطاء بل على العكس من ذلك يمكن لهم أن يحققوا الكثير إذا توفرت لهم الظروف التي تفجر طاقاتهم وتنمي قدراتهم وتمنحهم الحب والأمان والثقة لكي يحققوا التقدم المذهل في العلوم والفنون والمعرفة ويصبحوا طاقة بشرية هائلة تشارك في تقدم مجتمعاتهم وازدهارها.
























