إعداد الاختصاصية النفسية آمنة إبراهيم الزعابي
نرى أطفالاً لا يهدؤون ، يتحركون بسرعة، يتكلمون كثيراً، يقفزون من فكرة إلى أخرى وكأن عقولهم في سباق لا يتوقف، هؤلاء هم أطفال اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، الذين يعيشون بين طاقة متفجرة واحتياج دائم للتنظيم الداخلي.
بينما كنت أتصفح أحد المواقع المتخصصة في التربية، استوقفني منشور يحمل رسالة مفادها أن الحركة المفرطة ليست مجرد سلوك بل انعكاس لاضطراب عصبي يمكن تهدئته من خلال تقنيات بسيطة مثل التنفس العميق، فترات الحركة القصيرة، وإعادة ضبط الحواس.
كمتخصصة ، أثار هذا المنشور فضولي.
تساءلت: هل هذه الأنشطة ( التنفس، الوعي الجسدي، وفترات الحركة القصيرة ) فعلاً تحدث فرقاً في تقليل الاندفاعية وفرط النشاط؟ أم أنها مجرد شعارات تطمئن الأهل دون أثر فعلي؟
دفعتني هذه التساؤلات للبحث في الدراسات العلمية التي تناولت العلاقة بين التنظيم العصبي الجسدي (Neurophysiological Regulation) وضبط الاندفاعية والسلوك الحركي لدى الأطفال ذوي اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD).
وبعد مراجعة الأدبيات العلمية حول العلاقة بين التفريغ الجسدي والاندفاعية، يتضح أن الجسد والعقل يعملان كوحدة متكاملة، إذ إن أي نشاط بدني أو حسي يغير من طريقة عمل الجهاز العصبي الذاتي، وبالتالي يؤثر على تنظيم الانتباه والسلوك.
ففي دراسة نشرت في مجلة Frontiers in Psychology (2021)، أظهرت النتائج أن الأنشطة البدنية المنتظمة( مثل فترات الحركة القصيرة وتمارين التنفس البسيطة ) تساهم في خفض مستويات الدوبامين الزائد وتنظيم النواقل العصبية المسؤولة عن الاندفاعية، مما يسهم في تحسين القدرة على التركيز وتقليل التشتّت. الدراسة تشير إلى تحسن عام بالأعراض، لكن لا تفصل كل طريقة بشكل مستقل .
كما بيّنت دراسة أخرى في Journal of Attention Disorders (2020) أن الأطفال ذوي اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه الذين شاركوا في برنامج يومي يجمع بين تمارين الوعي الجسدي (Mindfulness Movement) والتنفس الواعي، أظهروا تحسناً ملحوظاً في مهارات التنظيم الذاتي، وانخفاضاً في نوبات الاندفاع، مقارنة بالمجموعة التي اعتمدت فقط على العلاج السلوكي التقليدي.
أما الأبحاث التي تناولت إعادة ضبط الحواس (Sensory Regulation)، فقد أشارت إلى أن الأنشطة التي تعتمد على التحفيز الحسي المنظم ( مثل التأرجح، الضغط العميق، والمشي الهادئ ) تساعد الجهاز العصبي على العودة إلى حالة التوازن، مما ينعكس على هدوء الحركة وجودة الانتباه (Lane & Schaaf, 2019).
مع ذلك، تظهر بعض الدراسات التحليلية (Meta-Analyses) مثل تلك المنشورة في Clinical Child Psychology and Psychiatry (2022) أن هذه الأنشطة لا تعد بديلاً عن العلاج السلوكي أو الدوائي، بل هي تدخلات مكملة تساعد في تهدئة الجهاز العصبي وتحسين فعالية التدخلات الأخرى، خاصة عند الأطفال الذين يظهرون حساسية عالية للمثيرات البيئية.
أتصور أن السر ليس في الحركة بحد ذاتها ، بل في نوعها وطريقتها وتوقيتها.
فالألعاب العشوائية التي تحفز الإثارة قد تزيد من النشاط الزائد، بينما الأنشطة المنتظمة والموجهة – مثل السباحة أو ركوب الدراجة أو المشي الإيقاعي – تساعد في تهدئة الجهاز العصبي وتنظم السلوك.
هنا ندرك أن التفريغ الحركي لا يعد حلاً سحرياً، بل أداة علاجية تستخدم بحذر وذكاء.
ولأن كل طفل يختلف عن الآخر، لا يمكننا تطبيق وصفة واحدة للجميع. ما يهدئ أحدهم قد يثير الآخر.
لذلك، من المهم أن يعمل الأهل بالتعاون مع الاختصاصي النفسي لتصميم خطة فردية تراعي احتياجات الطفل الفريدة، بدلاً من الاعتماد على نصائح عامة متداولة.
ولنتذكر أن الحركة علاج حين تكون منظمة وهادفة، وعبء حين تكون فوضوية، والحركة ليست مجرد طاقة زائدة فحسب ، بل لغة عصبية يعبّر بها الطفل عن توتر داخلي لا يعرف كيف يصفه بالكلمات..
ما يحتاجه الأطفال ذوو فرط الحركة ليس منع الحركة ولا تشجيعها بلا حدود ولا قيود ، بل مساعدتهم على التوازن.
حين يفهم الأهل هذه الحقيقة، يتحول التعامل مع الطفل من صراع يومي إلى رحلة تعلم مشتركة، يكتشف فيها الطرفان أن الهدوء لا يعني التوقف، بل القدرة على التحكم في الإيقاع — إيقاع الجسد والعقل معاً.
ورغم أهمية البرامج السلوكية ودور الأسرة في تعديل السلوك وتنظيم البيئة، إلا أن هناك حالات تستدعي اللجوء إلى التدخل الطبي إلى جانب الدعم النفسي والتربوي خاصة في حالة فشل التدخلات السلوكية بتخفيف حدة التحدي بعد التدخل السلوكي المكثف والمنتظم لمدة من 3 إلى 6 شهور، رغم التزام الأسرة والمدرسة بالخطة العلاجية الموضوعة.
فعلى الأبوين طلب استشارة طبية متخصصة عندما تصبح الأعراض شديدة لدرجة تعيق حياة الطفل اليومية أو تهدد سلامته و سلامة الآخرين ، كأن يظهر اندفاعاً خطراً، أو عجزاً واضحاً في التركيز رغم الجهود المستمرة، أو اضطرابات في النوم والمزاج، أو توتراً عاماً لا يزول.
التدخل الطبي هنا لا يعني بالضرورة الأدوية فوراً، بل تقييماً شاملاً لحالة الدماغ والجهاز العصبي، لتحديد ما إذا كانت هناك حاجة لعلاج دوائي مكمل.
كثير من الآباء يترددون أمام فكرة العلاج الدوائي، و يخشون منه ، لكن الحقيقة أن ما يجري داخل دماغ الطفل المصاب بفرط الحركة ليس تمرداً ، بل عاصفة من الإشارات العصبية المتسارعة التي تجعله يعيش في حالة من الإنهاك المستمر.
الدواء — حين يستخدم تحت إشراف مختص ليس وسيلة للسيطرة عليه، بل جسراً يساعده على أن يكون أكثر حضوراً واتزاناً ليتمكن من الاستفادة من كل ما تقدمه له الأسرة والعلاج السلوكي من دعم وحب، ويعيد ترتيب إيقاع دماغه ليمنحه فرصة للهدوء، والتفكير قبل الاندفاع والحركة.
فالهدف ليس إسكات الحركة بل استعادة التوازن العصبي الذي يسمح للطفل بالاستفادة من البرامج السلوكية والعيش براحة أكبر.
وتذكروا أن كل اندفاعية زائدة عن الحدود الطبيعية تحمل خلفها دماغاً منهكاً يبحث عن توازن .
المراجع
- Xie, Y., Zou, X., & Li, Y. (2021). Effectiveness of physical activity intervention on ADHD-related symptoms: A meta-analysis. Frontiers in Psychiatry, 12, 706625. https://doi.org/10.3389/fpsyt.2021.706625
- Lee, Y.-C., Chen, C.-R., & Lin, K.-C. (2022). Effects of mindfulness-based interventions in children and adolescents with ADHD: A systematic review and meta-analysis of randomized controlled trials. International Journal of Environmental Research and Public Health, 19(23), 15198. https://doi.org/10.3390/ijerph192315198
- Lane, S. J. (2019). Sensory over-responsivity as an added dimension in ADHD. Frontiers in Integrative Neuroscience, 13, 40. https://doi.org/10.3389/fnint.2019.00040
- Sibley, M. H., et al. (2023). Non-pharmacological interventions for attention-deficit/hyperactivity disorder: An updated evaluation of the efficacy and safety. BMC Psychiatry, 23(1), 270. https://doi.org/10.1186/s12888-023-05039-0
- Ma, X., Yue, Z.-Q., Gong, Z.-Q., Zhang, H., Duan, N.-Y., Shi, Y.-T., Wei, G.-X., & Li, Y.-F. (2017). The effect of diaphragmatic breathing on attention, negative affect, and stress in healthy adults. Frontiers in Psychology, 8, 874. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2017.00874
- المجلس الصحي السعودي. (2022). اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه: الدليل الإرشادي الوطني للتشخيص والعلاج. الرياض: المجلس الصحي السعودي























