خريطة رأس السنة: حين تُمنَح الاستقلالية… لكن لا تُمنَح الثقة
الحقوق لا تُقاس بالتصفيق… بل بلحظة سحب القرار
بقلم محمد النابلسي
من الظلم اختزال فيلم خريطة رأس السنة، في كونه فيلماً نمطياً يتناول شخصية من ذوي متلازمة داون،
في الحقيقة نحن أمام عمل واعٍ، جريء نسبياً، لكنه متردد أخلاقياً. إذ يمنح الفيلم شخصية “حبيبة” من الأشخاص ذوي متلازمة دوان، والتي أدّتها الممثلة المصرية ريهام عبد الغفور، استقلالية حقيقية على الورق، لكنه في الوقت نفسه يتراجع أحياناً خطوة عند بعض اختبارات الثقة في مواقف معينة.
فيلم خريطة رأس السنة، الذي أُنتج عام 2025، وعُرض للمرة الأولى في 24 ديسمبر 2025 ضمن موسم الأعياد، حقق إيرادات متوسطة إلى منخفضة في أيام عرضه الأولى داخل دور السينما المصرية، وهو العمل الأول لمؤلفه يوسف وجدي، والعمل الأول إخراجياً للمخرج رامي الجندي، شارك في بطولته نجوم مصريون: النجمة ريهام عبد الغفور، محمد ممدوح، أسماء أبو اليزيد، مصطفى أبو سريع، هنادي مهنا، والطفل آسر أحمد حمدي والذي قاسم ريهام عبد الغفور بطولة الفيلم.
تدور أحداث الفيلم حول شخصية الطفل نور، الذي ينطلق في رحلة أوروبية خلال موسم عيد الميلاد ورأس السنة، لمفاجأة والدته التي رحلت إلى فرنسا بعد وفاة والده. وينطلق في هذه الرحلة برفقة خالته «حبيبة» التي تجسدها ريهام عبد الغفور، من ذوي متلازمة داون.
الرحلة لا تُقدَّم بوصفها مغامرة تقليدية، بل كسلسلة من الاختبارات الجسدية والنفسية التي تتجاوز في كثير من لحظاتها قدرات الشخصية، وتضعها أمام أسئلة قاسية تتعلق بالمسؤولية، والاختيار، والقدرة على الاستمرار.
يُعد الفيلم تجربة طموحة نسبياً في سياق السينما المصرية. اعتمد المخرج رامي الجندي على أسلوب بصري قريب أوروبي، فاختيار البيئة الأوروبية كخلفية للأحداث، وكمكان للتصوير لم يكن جمالياً فقط، بل موقفاً فكرياً. فالفيلم يوحي بأن البيئة الأوروبية هي بيئة حقوقية للأشخاص ذوي الإعاقة، وأن شخصية حبيبة لم تكن لتصل إلى الاستقلالية الحاضرة في الفيلم، دون وجودها في بيئة أوروبية، وقد يكون هذا صحيحاً إلى حد كبير، لكن المشكلة أن أوروبا هنا قُدِّمت بشكل مثالي غير واقعي.
الفيلم مُصاغ بلغة سينمائية رومانسية غربية، بموسيقى عاطفية كثيفة، وإيقاع ناعم، وصورة نظيفة أكثر من اللازم، هذه الرومانسية المفرطة تُضعف أحيانًا حدة الأسئلة الأخلاقية التي يطرحها الفيلم، وتحوّل التعقيد إلى إحساس جميل لكنه مُصفّى. وقد تكون هذه سمة أفلام أعياد الميلاد الغربية عموماً، وهي صيغة غير مألوفة عربياً.
ولكن هناك بعض الإشكاليات التربوية، ففي بعض مشاهد الفيلم، الطفل يتجول وحده، ويتفاعل مع غرباء بلا حذر، ، ويتعرض لعناق من شخص التقى به للتو رغماً عنه بحجة أن الثقافة العربية مختلفة عن الغربية، على الرغم من رفض الطفل لهذا العناق. وهذا يقدم غياباً لمفهوم الحماية النفسية والحدود الآمنة.
في المقابل تأتي شخصية حبيبة من الأشخاص ذوي متلازمة دوان، بأداء ريهام عبد الغفور الذي يتسم بالهدوء، والسيطرة على روح الشخصية، وتفاصيل متلازمة دوان بدقة، والابتعاد عن الكاريكاتير، وهذا يُحسب لها. كان هناك مشكلة نسبية في المكياج، والتي تضعنا أمام السؤال الحقوقي الدائم عن سبب عدم الاستعانة بممثلين من ذوي الإعاقة، على الرغم من أن المخرج رامي الجندي هو مدرب ممثل محترف، وكان يمكن أن يعمل على تدريب الممثلة ذات متلازمة دوان.
ولكن ربما المعايير الإنتاجية والنجومية لعبت دوراً في اختيار ريهام عبد الغفور، والتي أبدت في البداية ترددًا في قبول الدور، نظراً لحساسيته وتعقيده، والخوف الطبيعي من الوقوع في فخ التبسيط أو التمثيل النمطي.
من جهة أخرى، جاءت كتابة شخصية حبيبة بشكل مهني متماسك، ويبدو أن هناك وعياً لدى الكاتب بأن التأهيل الجيد يمكن أن يمنح الأشخاص من ذوي متلازمة داون مهارات استقلالية حقيقية. وقد يكون بناء الشخصية الدرامي أقرب إلى نمط متلازمة داون الفسيفسائية، وهو أحد أنماط المتلازمة التي تتسم بتباين واسع في القدرات الجسدية والمعرفية والوظيفية، ولا يمكن الحكم على مستوى الاستقلالية فيها اعتمادًا على التشخيص الجيني وحده. وتشدد الأدبيات العلمية الحديثة على أن التقييم العادل يجب أن يكون تقييماً وظيفياً فردياً يأخذ في الاعتبار القدرات الفعلية واحتياجات الدعم، لا التصنيف الطبي المجرّد، وهو ما ينسجم مع المقاربة الحقوقية التي تركز على الاستقلالية، والاختيار، وتوفير الدعم المناسب دون افتراضات مسبقة، ويُفسّر في هذا السياق مستوى الاستقلالية والقرارات التي تتخذها الشخصية داخل الفيلم.
كما يستعرض الفيلم علاقة عاطفية للشخصية، وزواجاً من شخص من غير ذوي متلازمة داون، ويصور حبيبة بأن لديها القدرة على اتخاذ قرارات حياتية بهذه الحساسية، مما يمنح الشخصية حضوراً إنسانياً لا يقوم على البراءة المصطنعة أو البلادة، وهذه نقطة تُحسب للفيلم بوضوح.
فالزواج هنا ليس تفصيلًا درامياً، بل موقف أخلاقي وحقوقي مهم، فالفيلم يعترف صراحة بحق الأشخاص ذوي متلازمة داون في الحب، الزواج، تكوين علاقة مع شريك من غير ذوي الإعاقة، وأن الحياة الجنسية والعاطفية جزء طبيعي من الإنسانية، وهذا بمجله طرح نادر في السينما العربية، وغريب قليلاً في المجتمع العربي، ويستحق الإشادة.
رغم ذلك لم تكن هناك ثقة من قبل هنادي مهنا والتي ظهرت في بداية الفيلم كأم للطفل نور، بأن يكون لخالته ذات متلازمة دوان دور مباشر في رعاية طفلها، وفضلت إيداعه مدرسة داخلية، وهو دليل على أن الإعاقة تأتي من ذهنية المجتمع، وضعف ثقته بقدرات الأشخاص ذوي الإعاقة، مهما بلغت درجة الوعي الحقوقي، والتأهيل المقدم للأشخاص ذوي الإعاقة. نحن أمام مفترق أخلاقي حقيقي، فالسؤال هنا ليس درامياً، بل حقوقي: هل يمكن اعتبار الشخص مستقلًا إذا كانت قراراته الجوهرية تُلغى عند أول خلاف؟
الفيلم، من حيث لا يقصد، يرسل رسالة مربكة، فمن جهة حبيبة قادرة على الزواج، وقادرة على الحركة واتخاذ قرارات مستقلة، لكن عندما يتعلّق الأمر بتولي مسؤولية طفل… لا نثق بحكمها الكامل.
من جهة أخرى وجود شخصية “لي لي” من الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، والتي لعبت دورها الفنانة أسماء أبو اليزيد، كصديقة لشخصية حبيبة، فعلى الرغم من أدائها المتقن، ولكن وجودها الدرامي، لم يكن مدروساً بعناية، وعلى الرغم من توظيف قدراتها التنظيمية للمساعدة في الرحلة، لكن إقامتها مع حبيبة، ووجودها بمجمله لم يكن له مبرر واضح، وليس له خلفية درامية.
في النهاية، لا يقدّم خريطة رأس السنة صورة نمطية عن الإعاقة، لكنه يكشف عن تردّد مجتمعي عميق في منح الثقة الكاملة، الفيلم يعترف بالاستقلالية، لكنه يتراجع عنها عند أول اختبار حقيقي للمسؤولية.
شخصية حبيبة قادرة على الحب والزواج والاختيار، لكن المجتمع من حولها يظل غير مستعد، لتسليمها القرار حين يصبح ثقيلاً. وهنا تتحوّل الإعاقة من حالة فردية إلى بناء اجتماعي تحكمه المخاوف لا القدرات.
العمل يطرح سؤالًا أخلاقياً لا يملك إجابة جاهزة: من يحق له أن يخطئ؟ هل نؤمن بالحقوق نظريًا، ونقوم بتفعيلها فقط ما دامت لا تربكنا؟
ذلك السؤال، أكثر من أي مشهد، هو ما يجعل الفيلم جديرًا بالنقاش.






















