كل الأطفال قابلون للتعلم، وكلهم قابلون للتدريب، وقد شاع استخدام هذين مصطلح (القابلون للتعلم) ومصطلح (القابلون للتدريب) في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من أربعين عاما أثناء بدايات تقديم وتطوير الخدمات التربوية لهذه الفئات بموجب القانون، حيث كانت القناعة بتعليمهم محدودة بعد فترات من العزل والابعاد تعرضت له الغالبية العظمى منهم لعدم وجود المتخصصين أو ندرتهم وكذلك محدودية البرامج التربوية الملائمة، الأمر الذي حد أيضاً من مستوى الوعي والادراك بمستوى القدرات الموجودة وإمكانية تنميتها.
مقياس (بينيه) للقدرات العقلية موضة قديمة
من السهل معرفة القياس الدقيق للوزن، الطول، الكولِسترول، السكر، وربما غالبية مكونات جسم الإنسان، ومن اليسير أيضا قياس الكثير من الجوانب التي كانت غامضة وغير معروفة، مثل ما يتم عن طريق الليزر والإشعاعات، ومن ذلك وحدة قياس الوزن الذري (amu) وقد أضحى الحديث في هذا الشأن يتجاوز معرفة القياس إلى مقدار الدقة، حتى وصلنا لعصر النانومتر، وهو جزء من المليون من الملليمتر! لكن قياس القدرات العقلية للبشر ما زال – برغم قدم المحاولات – في خطوات يمكن وصفها بالأولية إذا ما قورنت بتقدم غيرها، ولا يزال قياس القدرات العقلية أمراً تقريبياً، حتى مع استخدام المقاييس العلمية، ولذلك فإن تحديد القدرات العقلية (برقم) يُعد أمراً نسبياً يرجح فيه الخطأ أكثر من الصواب.
ضمن محاولات قياس القدرة العقلية البشرية فإن ما تم على يد العالم الفرنسي الشهير بينيه Binet، منذ ما يزيد عن المائة عام، والمعتبر وقتها نقلة نوعية في المجال، أجُريت عليه بعد عدة سنوات من ظهوره تعديلات رئيسية، تبعتها المزيد من التغييرات والإضافات التي استمر تحديثها بين فترة وأخرى إلى عصرنا الحاضر، وفي الوقت الذي يُعتقد فيه أن ملاحظات العلماء والتجارب والإضافات التي تمت عبر السنين ستزيد مقياس القدرات العقلية دقة، حدث خلاف ذلك من وجهة نظر بعض العلماء.
فالعالم الأمريكي (هَوَرد غاردنر) Howard Gardner صاحب نظرية الذكاء المتعدد Mutable Intelligence Theory والأستاذ في جامعة هارفرد، يعتقد أن مقياس (بينيه) لقياس الذكاء قد انتقل من فرنسا إلى أمريكا في بداية القرن العشرين ضمن ما انتقل من (أدوات الموضة) التي تلقتها أمريكا من القارة الأوربية في ذلك الوقت، ويعتقد (غاردنر) أن مقاييس القدرة العقلية المعاصرة لا تقيس سوى قدرات محدودة من العقل البشري، كما يعتقد أن قوة مقاييس الذكاء الحالية تكمن في الجانب التنبؤي بمدى النجاح في المدرسة، لكنها لا تملك إلا نزراً يسيراً من هذه الميزة خارج سياق المدرسة، ويعتقد بوجود العديد من القدرات العقلية التي ليس لها تمثيل في تلك المقاييس، ومنها على سبيل المثال: الذكاء الحركي، الذكاء العاطفي، الايقاعي، وغيرها، لذا ظهرت مقاييس أخرى تشمل جوانب لم تكن ضمن مقياس (بينيه)، كما تحدث علماء آخرون أيضا عن قدرات عقلية أكثر من تلك التي أشار إليها (غاردنر.
وبناء عليه يجب على المتخصصين – وغير المتخصصين – أن يتحسبوا كثيراً قبل إصدار حُكم بقدرات الآخرين العقلية، خصوصا اذا كان هذا الحكم مرتبطاً بقرار يحدد مساراً دراسياً أو يقرر مصير وجهة حياتية، فالمناهج التعليمية والخطط الدراسية وأساليب تربية الأبناء، بحاجة إلى إعادة نظر تراعي (طبيعة الذكاء) وتخفف الكم النظري الهائل إلى دروس ذات طبيعة عملية، إيقاعية وتفاعلية، تتيح المجال لتنوع قدرات البشر لاسيما في عصر التقنية المبهر.
























