(عبد الرحمن بن عوف في الجنة)
رسول الله صلى الله عليه وسلم
بومض الحروف ونبضها نعرج إلى نموذج باهر للمؤمن العظيم.. للتاجر الأمين.. للثري الخُلق السخيّ الايمان.. نتلمس شيئاً من سيرته باعتباره أحد من قهر ما يعيقه في الحياة.. فكان علماً من أعلام الإسلام أبي إلا أن يطأ الجنة وثباً وهرولة بكريم فعاله وجليل خصاله وخالص اجتهاده.. إنه الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه.
ففي الساعات الأولى للدعوة المحمدية.. كان إسلامه.. وبذلك حظي بكثير من اضطهاد المشركين وتحدياتهم.. هاجر الهجرتين إلى الحبشة.. كما هاجر مع المسلمين إلى المدينة.. انتظم في سلك الجهاد مبكراً.. فشهد بدراً والمشاهد كلها.. وثبت مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد.. إذ أنهكته الجراح التي خلفت عرجاً دائماً في ساقه، وسقطت بعض ثناياه، فتركت هتماً واضحاً في نطقه وحديثه.. أصبح سمتاً من سماته.
فهو إلى ذلك فارغ القامة، رقيق البشرة مضيء الوجه، أبيض مشرب بالحمرة، ضخم الكفين، أقنى، أكرمه الله جل علاه بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلفه.. وحسبه أن شملته الآية الكريمة فيمن كانوا من أهل الشجرة وبيعة الرضوان: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة).
ثراؤه كان فاحشاً.. بيد أن الدنيا لم تكن مبلغ همه، فبينما كانت روح الخليفة عمر رضى الله عنه تتأهب لأن تنسل من جسده. أراد ابن الخطاب أن يجعل الأمر شورى بين ستة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ليرشحوا أحدهم خليفة للمسلمين من بعده.. كانت الأصابع تومىء وتشير صوب ابن عوف.. غير أن زهده نحاه عن منصب الخليفة.. ليقر خليفة سواه.. عندها قال علي بن أبي طالب لابن عوف رضى الله عنهما: (لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفك بأنك أمين في أهل السماء، وأمين في أهل الأرض).
ولله.. ما أجل أعماله.. لوجه الله سخّر ماله.. أعطى فأجزل.. أقرض فأكثر.. وها هي الأعناق تشرئب لقافلة الإيمان وهي تقبل على المدينة الطاهرة.. تشق سكون هدأتها.. وتثير نقع قتامها.. تدك الأرض دكاً.. حتى خالها الناس عاصفة رملية شديدة. أدهشت أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها، وجعلتها تسأل: ما هذا؟ قالوا: عيرٌ لعبد الرحمن بن عوف من الشام، وكانت سبعمائة راحلة فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً) فبلغ ذلك عبد الرحمن، فحث خطاه إليها وقال لها: (إني أشهدك أنها بأجمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله عز وجل).
كما بلغ من جود عطائه وكريم يده أنه قيل: (أهل المدينة جميعاً شركاء لابن عوف في ماله، ثلث يقرضهم، وثلث يقضي عنهم ديونهم، وثلث يصلهم ويعطيهم).
جاد عبد الرحمن بن عوف بأنفاسه الأخيرة سنة اثنتين وثلاثين، وهو يتمتم وعيناه تفيضان بالدمع: (إني أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة ما لي من مال). ولكن سرعان ما غشته السكينة وعلت الإشراقة وجهه، وأرهف أذنيه للسمع كما لو كان هناك من يحادثه، ويبشره بما سبق أن بشّره به الرسول صلى الله عليه وسلم: (عبد الرحمن بن عوف في الجنة).
وطوبي لك يا ابن عوف حين كلّلت مسيرة الكفاح والفلاح بإعاقة ما يكون عائقاً؛ لترقى سلم المجد، فتخط بحروف من وعج وضياء على جبين التاريخ عمراً جميلاً وازى عملاً جليلاً.. فتوسّدت توسّد المرتاح.. ونمت نومة الهناء في بقيعا الغرقد.
























