يتراجع استخدام اللغة العربية في حياتنا اليومية، وبالمقابل تُفرض اللغة الانجليزية كلغة للتعامل التجاري ويزداد الاعتماد عليها يوما بعد يوم، فيجد المرء نفسه مجبرا على التعامل باللغة الانجليزية إذا أراد انجاز عمله لاسيما مع الشـركات الكبرى والبنوك. وهناك زيادة مضطردة في استخدام اللغة الانجليزية في وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية.. الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة ستطال ثوابتنا القومية والدينية!
ولأن اللغة تشكل العامل الأهم في وحدة الشعوب وتوحيد الأرض، فإن الخطر الذي يتهدد العرب يتمثل في تهميش لغتهم بعد أن همشت قوميتهم وفُككت أواصرهم، فقد دأب الاستعمار خلال القرن الماضي على إضعاف لغة الشعوب التي يحتلها كوسيلة لإضعاف رفضها له.. حدث ذلك بشكل بارز في الجزائر وعلى نحو أقل في باقي دول المغرب العربي حيث عملت الدولة المستعمرة على فرض لغتها وغيبت اللغة القومية لتلك الشعوب.
وتأتي محاولات تهميش اللغة العربية في الوقت الراهن على رأس قائمة الأسلحة المستخدمة لإضعاف الرابط القومي بين الشعوب العربية وسلخ الفرد عن مجتمعه ومحيطه. والأسوأ أن بعضنا عن علم كان أم عن جهل يساهم بشكل أو آخر في هذا الاتجاه حين يعتقد أن اللغة العربية غير قادرة على مواكبة التقدم الذي يشهده العالم في مجالات العلوم والبحث والتكنولوجيا.
وينسى هؤلاء أن اليابان، التي تحتل المرتبة الثانية اقتصاديا وتقنيا ـ على مستوى العالم ـ حققت ذلك بلغتها الأم ولم تفرط في لسانها ولا في ثوابتها القومية.. وأنجزت كل ذلك في أقل من خمسين عاما، وأن الصين التي تحقق أفضل نمو اقتصادي في العالم لا تتكلم اللغة الانجليزية ولا تكتب بحروفها.
وثمة ظاهرة مخيفة آخذة في الانتشار: آباء يصرون على تعليم أطفالهم اللغة الإنجليزية قبل أن ينطق الطفل منهم بكلمة عربية واحدة، ولتعزيز هذا الهدف يحرص هؤلاء الآباء على توظيف مربيات وخدم منازل يتقنون الحديث باللغة الانجليزية، فتصبح الانجليزية اللغة الأم للطفل، وبذلك يساهم هؤلاء في “تغريب” أبنائهم عن مجتمعهم وأمتهم، بل وعن محيطهم الأسري وبذلك يسرعون الخطى باللغة العربية نحو الانزواء وربما الانقراض. ولعل ما قاله ابن خلدون ينطبق على حالنا الآن “المغلوب مولع أبداً بالغالب في شعاره، وزيه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده”.
إن في هذا الفهم الخاطئ لتحسين تربية أبنائنا من خلال الاعتقاد أن اللغة العربية غير قادرة على استيعاب متغيرات الحياة المعاشة بأشكالها المختلفة، ومن ثم علينا تسليحهم باللغة الانجليزية، أمر غاية في الخطورة ومنزلق لا عودة منه نضعه من غير وعي أمام الأجيال القادمة التي من المفترض أن نعزز فيهم الشعور بالانتماء القومي.. وأول أسس هذا الانتماء هو اللغة.
التعليم، كما هو معروف، اللبنة التي يقوم عليها بناء الشخصية وصياغة العقل ويمتد أثره عميقا داخل النفس. فتعليم الطفل لغة أجنبية قبل أن يتكلم باللغة الأم يؤدي إلى حدوث تشويش في فهمه لما يدور حوله ويختلط عليها الأمر بين ما يتعلمه من خلال المدرسة أو المربية وبين ما يسمعه من محيطه الناطق بالعربية.
مخاطر ازدواجية التعليم تؤثر سلبا على تشكيل هوية الطفل وانتمائه الحضاري أيضا، فإذا لم يتعود لسانه على لغته الأم، لن يتكون لديه حس بهوية قومية الذي يُكتسب من خلال تعلم اللغة والتربية الأسرية أثناء سنوات عمر الطفل الأولى، وسيغدو ضعيف الولاء لمجتمعه وأمته.
وتزيد وسائل الإعلام المرئية الطين “بله” حين تعمل على ترويج مفردات انجليزية في البرامج الموجهة للشباب وجعلها شائعة في لغة الإعلام مما يعني استسلام المشاهد لتلك المفردات ودفعه إلى الاعتقاد أن لغته العربية قاصرة وليست مؤهلة لاستيعاب حتى الحوار اليومي الذي يجري على ألسنة مقدمي البرامج التلفزيونية لاسيما على قنوات “الترفيه” بأشكالها المتعددة التي تحظى بشعبية واسعة بين فئة المراهقين.
استخدام ألفاظ انجليزية في سياق الحديث بالعربية لا يشوه اللغة العربية فحسب، وإنما لا يقدم أي نوع من الفائدة للمتلقين الذين يعتقدون أن متابعة مثل هذه الحوارات يساعدهم في تحسين تحصيلهم للغة الإنجليزية، لأنها تُستخدم في خارج معناها الصحيح، فمعظم الكلمات الإنجليزية الدارجة يختلف معناها بحسب سياق الجملة التي تقع فيها.
وفي جانب آخر، يخطئ من يظن أن تواصلنا مع الغرب لن يتم إلا إذا عرفنا لغتهم، فهذا الغرب نفسه لا يتكلم لغة واحدة، بل أن الأمر وصل بالفرنسيين إلى سن قانون يفرض غرامات مالية على وسائل الإعلام في حالة استخدام مذيعيها أو كُتَّابها مفردة غير فرنسية.. سواء كانت انجليزية أو آسيوية لا فرق.
اللغة هي الوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها الإنسان إدراك هويته، فإذا فقدت الأمة لغتها فقدت هويتها، وإذ ذاك لا بد من إعادة البهاء إلى وجه “لغتنا الجميلة”، وإلا وجدنا أبنائنا في يوم ليس ببعيد يدرسون اللغة العربية مثلما يدرس الطالب البريطاني أو نظيره الفرنسي اللغة “اللاتينية” المنقرضة التي انحدرت منها اللغات الأوروبية الحديثة.
هل نحن عاجزون عن مواجهة هذا الغزو اللغوي الذي ـ للأسف ـ نفرضه على أنفسنا، وتبدو سلبيتنا واضحة تجاهه؟ قد تبدو محاولة التصدي لهذا الخطر مستحيلة، بسبب هيمنة اللغة الانجليزية على كثير من المصالح الاقتصادية والتعليمية، لكن اللغة العربية قادرة على المقاومة والنهوض من كبوتها إذا توفرت الرغبة والإيمان، ولعل في التجربة الجزائرية عبرة ومعين للحفاظ على اللغة التي كرمها الله سبحانه وتعالى ورفع شأنها بالقرآن الكريم وحفظها به.
ما أشرت إليه سابقا ليس دعوة إلى مقاطعة اللغة الانجليزية، وإنما دعوة لتعلمها بما لا يؤثر على اللغة الأم، ولا يفُقد الإنسان صلته بمجتمعه وأمته، ويجب أن يعكس رغبة جدية في الاستفادة منها لثراء المعرفة والتطوير التقني ومواكبة مستجدات العلم والفكر والفن.. لا من اجل تهميش اللغة العربية وإنما من أجل رقي الإنسان العربي وتطوير قدراته وتوظيف إمكاناته للمساهمة في نهضة أمته من حالة التخلف والتبعية الاقتصادية والحضارية.
























