«إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة»
شخصية إسلامية أكدت حرصها اجتياز كل المعوقات أمام رغبة جامحة لنيل الشهادة، كافحت وجاهدت وصمدت وساهمت بالتربية الصالحة، رغبة في أن تطأ الجنة بعرجتها وأن تذوق من حسن البلاء.
تلك شخصية الصحابي الجليل عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الخزرجي الأنصاري السَّلمِيّ الغَنْميّ رضوان الله عليه، والد هند والأسود الأربعة معاذ ومعوّذ وخلاّد وعبد الرحمن الذين شهدوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم المشاهد.
كان قد تأخر إسلامه كما قال عاصم بن عمر، كما كان له صنم يقال له «مناة» وكان فتيان بني سلمة قد آمنوا، فكانوا يمهلون، حتى إذا ذهب الليل دخلوا بيت صنمه فيطرحونه في أنتن حفرة منكسّاً، فإذا أصبح عمرو غمّه ذلك، فيأخذه فيغسله ويطيّبه، ثم يعودون لمثل فعلهم، إلى أن جاء ابن الجموح بسيفه فعلّقه عليه، ثم قال: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك. فلما أمسى عمرو ونام، مرّ الفتيان على الصنم، فأخذوا السيف من عنقه، ثمّ أخذوا كلباً ميتاً فقرنوهما بحبل وألقوهما في بئر من آبار بني سلمة، فأبصر عمرو شأنه وأسلم يرحمه الله وحسن إسلامه، وقال أبياتاً منها:
والله لو كنتَ إلهاً لم تكن
أنت وكلب وسط بئر في قرن
أف لمثواك إلهاً مستدن
الآن فتشناك عن شر الغبن
ورغم أنه كان أعرج ـ شديد العرج ـ لم تمنعه أو تعيقه تلك الصفة أن يكون سيداً من سادات بني سلمة وشريفاً من أشرافهم.
وهذه تزكية نبوية بسيادته قومه لها ومضها الوهاج، فعن ابن المتكدر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني سلمة! من سيدكم؟ قالوا: الجد بن قيس، وإنا لنبخله. قال: وأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح».
لم يكن ليقف أمام عرجته مستغلاً ما أصابه، فهذه موقعة بدر يشتد وطيسها، شهدها بنوه الذين منعوه من الجهاد فلم يشهدها، وقالوا: عذرك الله، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوهم قائلاً: إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك. وقال لبنيه: «ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة».
وأخرج أحمد عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه حضر ذلك قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت أن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة ـ وكانت رجله عرجاء ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم! فقتلوه يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كأني أنظر إليه يمشي برجله هذه صحيحة في الجنة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد.
والله جل علاه باسط رزقه، واسعة رحمته، فقد قالت امرأته هند أخت عبد الله بن عمرو بن حرام: كأني أنظر إليه قد أخذ درقته وهو يقول: اللهم لا تردني. فقتل هو وابنه خلاد.
عن أبي الضحى أن عمرو بن الجموح قال لبنيه: أنتم منعتموني الجنة يوم بدر، والله لئن بقيت، لأدخلن الجنة، فلما كان يوم أحد، قال عمر: لم يكن لي هم غيره، فطلبته، فإذا هو في الرعيل الأول.
وروى مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح، وابن حرام كان السيل قد خرب قبرهما، فحفر عنهما ليغيّرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا، كأنما ماتا بالأمس. وكأن أحدهما قد جرح، فوضع يده على جرحه، فدفن كذلك. فأميطت يده عن جرحه، ثم أرسلت، فرجعت كما كانت. وكان بين يوم أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة.
ناهيك عن حسن التربية التي ظلل بها أبناءه وجعل فيهم نخوة الإسلام وحبه، وهم السابقون جهاداً في سبيل الله ودفاعاً عن سيد البشرية صلى الله عليه وسلم.
ولي تلميحة تالية ـ بإذن الله ـ بين طيّات الومض ونبضه لشجاعة وبسالة ابنه معاذ الذي وقف أمام كبار المشركين وأشدهم كرهاً لدين الإسلام (أبي جهل) في رواية تثلج الصدر وتستقر الفؤاد لنفخر بتربية سيد قومه الذي قدم فلذاته وفادى بهم.
هيهات هيهات يا ابن الجموح، سيرتك بعطرها وطيبها ما زلنا نستنشق شذاها الفواح أرجاً وعبيراً في تاريخ الإسلام، ونرفع الهامات بها وإليها مفخرة بصحابي جليل جاهد ما يعوّقه ذوداً ودفاعاً عن هذا الدين العظيم ممثلاً في حامل رسالتنا وسيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا نموذج أيها الأحبة من نماذج ثرة، لها ومضها وزهوها.
























