أين تكمن مصلحة الطفل؟
إعداد بلقيس يوسف الزواهرة
في مجال التربية الخاصة، يكثر استخدام مصطلحي التقييم والتشخيص حتى باتا يُستخدمان في أغلب الأحيان كأنهما مترادفان، على الرغم من أن لكل منهما وظيفة مختلفة. فيُعرف التقييم بأنه العملية المنهجية التي تهدف إلى جمع المعلومات من مصادر متعددة عن قدرات الطفل واحتياجاته ونقاط القوة والتحديات التي يواجهها وتشمل العملية تقييم للبيئة المحيطة بالطفل والإمكانات المتاحة، من أجل بناء خطط تدخل مناسبة لحاجات الطفل تسهم في تطوره وتقدمه، أما التشخيص يتم من خلال استخدام اختبارات متخصصة لكل فئة من فئات الإعاقة بهدف منح الطفل مسمى تشخيصي يعكس طبيعة الاضطراب أو الإعاقة التي لديه، ومعرفة إذا ما كان الطفل يستوفي معايير وخصائص اضطراب أو إعاقة معينة، بهدف توجيه الخدمات وإجراء التدخلات التي تناسب طبيعة الإعاقة، ويهدف أيضاً إلى تمكين القائمين على الطفل من توقع الخصائص والسلوكيات التي ترافق هذا النوع من الإعاقة، والاستعداد للتعامل معها بفاعلية، ويتم كلاهما باستخدام أدوات رسمية وغير رسمية بما يضمن تكوين صورة شاملة عن الطفل المستهدف.
ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين المفهومين؛ فالتشخيص يجيب عن سؤال: “ما الذي لدى الطفل؟”، بينما التقييم يجيب عن السؤال الأهم: “ماذا يحتاج الطفل؟ كيف يمكن دعمه؟”. فقد يحمل طفلان التشخيص نفسه، ولكن تختلف قدراتهما واحتياجاتهما التعليمية والسلوكية والاجتماعية، وبالتالي تختلف الخطط والبرامج المقدمة لكل منهما. لذلك، فإن جودة الخدمات لا تُقاس بدقة التشخيص، بل بقدرة التقييم على تحديد احتياجات الطالب بدقة وبناء خطط تدخل على أساسها.
إلا أن واقع الحال في ميدان التربية الخاصة يكشف عن ظاهرة آخذة في الاتساع يمكن وصفها في “هوس التشخيص”، حيث ينصب الاهتمام أحياناً على الحصول على تقرير تشخيصي أكثر من التركيز على التدخل الفعال نفسه. وتتنوع الدوافع لذلك؛ فبعض الأسر تسعى للحصول على التشخيص للاستفادة من الإعفاءات المتنوعة أو التسهيلات المالية والخدمات المرتبطة بوجود تقرير رسمي، وهو أمر يمكن تفهمه في ظل الأعباء الاقتصادية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التشخيص إلى غاية أولية، فيُهدر الوقت في البحث عن المسمى التشخيصي بدل استثماره في التدخل المبكر وتنمية مهارات الطفل. كما تسهم بعض الممارسات المهنية في ترسيخ مفهوم “هوس التشخيص”، من خلال المبالغة في طلب التقييمات والتقارير والوقوف عندها دون ضرورة، بما يحول التشخيص من أداة لخدمة الطفل وأسرته إلى إجراء قد تُستغل قيمته لأهداف مادية أو مهنية، وهو ما يتعارض مع جوهر أخلاقيات هذه المهنة السامية.
وتؤكد الأدلة العلمية أن التدخل المبكر هو العامل الأكثر تأثيراً في تحسين نمو الطفل وتطوره، وأن التأخير في تقديم الخدمات بانتظار استكمال التشخيص قد يؤدي إلى فقدان فرص من شأنها دعم الطفل وتعزيز نموه، لذلك؛ يجب أن يكون التشخيص هدفاً لفهم الطفل وخصائص الإعاقة لديه دون الوقوف عند هذه الخطوة الكمالية.
وللحد من هذه الإشكالية، لا بد من نشر الوعي لدى الأسر والعاملين بالفروق بين التقييم والتشخيص، وربط الخدمات باحتياجات الطفل الفردية أكثر من ربطها بنوع الإعاقة أو المسمى التشخيصي الذي لديه، وتشجيع الأسر على طلب التدخل المبكر قدر الإمكان أو فور ظهور مؤشرات سلوكية أو تطورية تستدعي الحاجة إليه دون انتظار سلسلة التقارير التشخيصية الطويلة. كما ينبغي تعزيز الرقابة على جودة التقييم والتشخيص وضبطها بالأخلاقيات المهنية والممارسات المستندة إلى الدليل العلمي.























