تعريف حقوق الإنسان
- هي الحقوق المتأصلة في طبيعتنا، والتي بدونها يستحيل علينا أن نحيا كبشر
- (هي ضمانات قانونية عالمية، لحماية الأفراد والجماعات من إجراءات الحكومات، تحمي الحريات الأساسية والكرامة الإنسانية، وتمكّن الإنسان أن يحيا بكرامة كبشر وتحرره من الخوف ومن الحاجة).
- تعرف حقوق الإنسان بأنّها تلك (التي تهدف إلى ضمان حماية معنى الإنسانية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية).
كثيراً ما يُنظر إلى حقوق الإنسان على أنها قيمٌ ومبادئ حديثة، والحقيقة أنّ حقوق الإنسان والمبادئ المُستمدّة منها، قديمة قِدم التّاريخ، ومستمدّة من كلّ الأديان السّماوية والموروث الإنساني برمّته، وهي تشكل القاسم المشترك بين المجتمعات والحضارات المختلفة في العالم، وهي حقوقٌ تَثبت للبشر لمجرد الصّفة الآدمية، وهي لصيقة بالإنسان لأنّها من الحقوق الطبيعية الثّابتة له قبل وجوده مهما كان أصله أو دينه أو قوميته أو عشيرته أو لونه أو معتقده وسواء أكان الشخص “وطنياً” أو أجنبياً.
وفي هذا الإطار تعرّف الأمم المتّحدة حقوق الإنسان بأنّها: (الحقوق المتأصلة في طبيعتنا، والتي بدونها يستحيل علينا أن نحيا كبشر) (حقوق الإنسان، أسئلة وأجوبة – منشورات الأمم المتحدة، 1990، ص 03).
ويذكّرنا هذا التّعريف بمقولة الخليفة عمر بن الخطّاب التي خلّدها الزّمن “متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرراً”، حيث ترتكز المقولة والتّعريف على فكرة “الطّبيعة البشرية” أي أن الحقوق هي جزء من “طبيعتنا البشرية”..
وتنسج الأمم المتّحدة على نفس المنوال حين تصف الحقوق والحرّيات بأنّها “تسمح لنا بأن نطوّر ونستخدم خصائصنا الإنسانيّة وذكاءنا ومواهبنا وضميرنا، وأن نلبّي احتياجاتنا الرّوحيّة وغيرها…
وتستند حقوق الإنسان إلى مطلب البشريّة المّطرد في حياة تحظى فيها الكرامة والقيمة المتأصّلتان في كلّ إنسان بالاحترام والحماية “. (حقوق الإنسان والخدمة الاجتماعية، مركز حقوق الإنسان، جنيف، 1994، ص 19 ).
وتجد فكرة حقوق الإنسان عامّة والكرامة البشرية، سندها في التّراث الدّيني والفكري للبشريّة لقرون خلت وسابقة على ظهور المنظومة الدّولية لحقوق الإنسان، فلا تكاد تخلو ديانة من الدّيانات من نصوص حول تكريم الإنسان، ولا ثقافة من الثقافات، ولا حضارة من الحضارات منها ومن مبادئ الرّحمة والعدل والإنصاف، وعلى رأسها الحضارة والثّقافة الإسلامية، حيث يؤكّد القرآن الكريم عليها في أكثر من موضع، حيث يقول على سبيل المثال لا الحصر، في الآية 70 من سورة الإسراء (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً).
وبالنّظر إلى التّراث الإنساني، والمحاولات التي انطلقت منذ “حمورابي” إلى “الأمم المتّحدة” مروراً بكلّ الاجتهادات العظيمة للمفكرين والفلاسفة، والرّسالات السّماوية الخالدة، لقوننة “الحقوق” وصياغتها في مشاريع “شرائع” و”قوانين” و”مواثيق” و”عهود” و”لوائح” و”إعلانات” و”اتفاقيات”، والتي كانت تصبو إلى غاية واحدة هي ضمان وكفالة وحماية حقوق الإنسان، وصياغتها في قوانين مُلزمة…
واستناداً إلى الطّابع الإنساني الشّامل للحقوق، والذي أضفى عليها طابعاً أخلاقيّاً، جعلها حقوقاً غير قابلة للتّنازل عنها، ولا شرعيّة في انتهاكها لأيّ سبب كان، تصبح معها هذه حقوق بذاتها “مصدر الشّرعيّة، ولا تستمدّ شرعيّتها من أي نظام قانونيّ وضعي.
يمكننا إذاً تعريف الحقوق بأنّها:
“مجموعة من الامتيازات تتّصل طبيعيّاً بكلّ كائن بشري وهي الضّامن لكرامته، يتمتّع بها الإنسان، ويكفلها القانون، ويحميها… ولا يمكن العيش كبشر بدونها، وهي ثابتة ولازمة وضروريّة، لنستخدم ونمارس خصائصنا الإنسانية، وذكاءنا، ومواهبنا، من أجل تطوّرنا ونموّنا”. (عمارة بن رمضان وصالح الطّرابلسي – دليل المدرّس في التّربية على حقوق الإنسان – المعهد العربي لحقوق الإنسان- 2001).
ولذلك… تُلزم الاتفاقيات الدّولية لحقوق الإنسان الدّول الأطراف فيها باتّخاذ تدابير تشريعيّة لتضمين الحقوق الواردة في تلك الاتفاقيات في التّشريعات الوطنية.
العلاقة بين معرفة الحق والوعي به والدفاع عنه
يرتكز مفهوم حقوق الإنسان على ثلاثة محاور هي:
- المحور الأوّل صاحب الحقّ أو المُنتفع بالحقّ وهو الإنسان، والإنسان هنا يختلف عن “الفرد”، لأنّ هذه العبارة تجعل من الشّخص مجرّد ” ذات جسديّة”، في حين أنّ عبارة “إنسان” تنطوي على الجسد والفكر والوجدان والمكتسبات… والأهمّ الكرامة.
- المحور الثّاني حماية الحقوق، أي صاحب / أصحاب المسؤولية / الالتزام في حماية وضمان وإعمال الحقوق، وهنا المسؤولية الأولى والأساسيّة تقع على الدّولة، ثمّ على كافّة مكوّنات المجتمع بما في ذلك أصحاب الحقوق أنفسهم.
- المحور الثالث ويتمثّل في خصائص الحقوق ونوعيّتها، أي معاييرها، ومبادئها، وتصنيفها، وفي هذا الإطار هناك تصنيفات عديدة للحقوق وللأدوات الدّولية لحقوق الإنسان.
كما تمتاز حقوق الإنسان بمجموعة من الخصائص التي تميّزها عن مفهوم الحاجة، وهي أنّها:
- لا تُشترى ولا تُكتسب ولا تُورّث، لأنّها “متأصلة” في كلّ إنسان، وتميّزه عن سائر المخلوقات.
- واحدة لكلّ النّاس ودون أي شكل من أشكال التّمييز، لأنّ النّاس جميعاً حسب ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، قد “ولدوا جميعهم أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق”… لذلك توصف حقوق الإنسان بأنّها “عالميّة أو كونيّة”.
- ثابتة و”غير قابلة للتّصرّف”، لذا لا يمكن انتزاعها، فليس من حقّ أحد أن يحرِم آخر من حقوق الإنسان، حتّى لو لم تعترف بها قوانين بلده.
- متكاملة وشاملة وغير قابلة للتجزّؤ، فلا يمكن أن يعيش الإنسان بكرامة وأن يتمتّع بالحرّيّة والأمن والمعيشة اللاّئقة بلا حقوقه المدنية والسيّاسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة.
- في حالة تطور مستمر، لأنها مرتبطة بالإنسان بصفته إنسانا، وبالتّالي حاجة الإنسان وارتفاع مستواه المادي والروحي في حالة تطور مستمر مما يستوجب معه تطوير الحقوق، وظهور حقوق جديدة.
لذلك وضماناً للتمتّع بالحقوق والحرّيات، وجب على كلّ الإنسان:
- أن يعرف حقوقه وحرّياته العامّة… .
- أن يمارس حقوقه وحرّياته… .
- أن يدافع عنها، ويحميها…. .
- أن يعترف ويضمن ذلك له ولغيره، في وطنه أو أي مكان من العالم… .
ولتُحمى الحقوق والحرّيات، لا بدّ من:
دستور وتشريعات تضمنها.
وسلطة تطبّق القانون، بين النّاس، بالحقّ، والعدل، والمساواة، بينهم جميعاً في الحقوق والمسؤوليات.
حقوق الأشخاص ذوي متلازمة داون ومرجعياتها
كما بيّنا سابقً، الإنسان هو صاحب الحقّ أو المُنتفع بالحقّ، بكلّ ما تشتمل عليه عبارة “إنسان” من مكوّنات، الجسد والفكر والوجدان والمكتسبات… والأهمّ الكرامة، ولكلّ واحدة منها “حقوقاً” تخصّها، كالحقّ في الحرمة الجسديّة، أي حماية الجسد من كلّ ما من شأنه الضّرر به، كالتّعذيب، وسوء المعاملة، والإهمال، والأمراض.. وكذلك تنمية الجسد، كالحقّ في الوقاية والتّلقيح.. أي الحقّ في الصّحة، والحقّ في ممارسة الرّياضة، والحقّ في الغذاء الصّحي والمتوازن….، وحقوق تتّصل بالفكر، كالحقّ في حريّة التّفكير، والحقّ في حريّة الرّأي والتّعبير بكلّ الوسائل المناسبة والمتاحة، والحقّ في حريّة الوصول إلى المعلومات، والحقّ في نشر المعلومات، والحقّ في التّعليم، والحقّ في التّغذية المناسبة…، وحقوقاً ذات صلة بالوجدان، كالحقّ في حريّة المعتقد، وممارسة الشّعائر الدّينيّة، والحقّ في الصّحة النّفسيّة…، وحقوقاً تتعلّق بالمكتسبات، كالحقّ في العمل، والحقوق المتّصلة بضمانات العمل، كالحقّ في الرّاحة، والحقّ في تحديد ساعات العمل، والحق في السّلامة المهنية، والحقّ في الضّمان الاجتماعي والتّأمين الصّحي، والحقّ في التّدريب والتّأهيل المهني…، وأمّا حقوق الكرامة، فهي بعبارة واحدة، كلّ الحقوق التي تجسّد إنسانيّة الإنسان، أي أنّ حقوق الكرامة هي كلّ حقوق الإنسان، وأيّ انتهاك لأي حقّ من حقوقه هو انتهاك وامتهان لكرامته الإنسانية المتأصلة فيه…
والسّؤال الآن، هل الأشخاص ذوي الإعاقة عامّة، وذوي متلازمة داون خاصّة، بشرٌ مثل الآخرين؟؟، أم هم أنصاف أو أرباع بشرٍ؟! أم هم كائنات “فضائيّة” أو “هلاميّة” أو “قيد التّعريف والتّحديد”؟؟!!.
بداهة.. هم بشرٌ مثلنا.. لذلك لهم ما لنا من حقوق، بل وزيادة علينا، وعليهم ما علينا من مسؤوليات أو واجبات، بل وأقلّ منّا !!.
وإذا ما اتّفقنا أنّهم بشرٌ مثلنا – ونحن كذلك-، فإنّنا يجب أن نقرّ أنّ لهم – على الأقل- ما لنا من حقوق،، !!، وبالتّالي فإنّ كلّ مرجعيات حقوق الإنسان، هي ذاتها مرجعياتهم في حقوقهم!!.
فإذا كنّ نساءً، فلهنّ ما للنّساء من حقوق، وإذا كانوا رجالاً، فلهم ما للرّجال من حقوق، وإذا كانوا أطفالاً، فلهم ما للأطفال من حقوق، وإذا كانوا أو كنّ عاملين أو عاملات فلهم ولهنّ ما للعاملين وللعاملات من حقوق..!!.
وهذا هو المستوى الأساسي للحقوق التي يجب أن يتمتّعوا ويتمتّعن بها، وهو مستوى المساواة في حقوق الإنسان عامّة، وبالتّالي فإنّ كلّ مرجعيات حقوق الإنسان الدّولية والعربية والإقليميّة هي مرجعياتٍ للمطالبة والدّفاع عن حقوقهم وحقوقهنّ، والتي تنعكس في أغلب بلدان العالم ومنها بلداننا في تشريعاتها، لأنّ تلك المرجعيات، ونعني هنا المُلزمة منها، أي الاتّفاقيات الدّولية والإقليمية لحقوق الإنسان، تُلزم الدّول الأطراف فيها بتعديل تشريعاتها الوطنية بما ينسجم مع مضامين تلك الاتفاقيات.
أمّا المستوى الثّاني من الحقوق فيتّصل بحقوق وضعيّات معيّنة من وضعيات بعض “البشر”، التي تعاني من أنواع معيّنة من التّمييز والتّهميش، كالنّساء اللائي يعانين من التّمييز بصفتهن “إناثً” مقارنة بوضعيات “الذّكور”، أو التّمييز ضدّ بعض “البشر” بسبب اللّون أو العنصر أو العرق، وهو “التّمييز العنصري”، كحرمان السّود مثلاً في أميركا حتّى ستّينيات القرن الماضي من حقوقهم، وكذلك كان الوضع في جنوب أفريقيا، أو التّمييز ضدّ بعض “البشر” بسبب الرأي أو الوضع الاجتماعي أو الطّبقي أو الدّيني أو المذهبي، كما كان يجري سابقاً في العديد من بلدان ومناطق العالم، ومازال يجري إلى اليوم في بعضها الآخر، أو التّمييز ضدّ “اللاجئين” و”المهاجرين” والعمّال المهاجرين وعائلاتهم، والتّمييز على أساس ” الإعاقة” كما كان يجري وما يزال في العديد من دول العالم.
وللقضاء على مثل ذلك “التّمييز” أصدرت الجمعية العامّة للأمم المتّحدة عدداً من الأدوات الدّولية لحماية حقوق تلك “الفئات” من البشر، بعضاً كان غير ملزم، وبعضها الآخر كان ملزماً، والذي يعنيناً هنا هو المُلزم منها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- الاتفاقية الدّولية للقضاء على كلّ أشكال التّمييز ضد المرأة.
- الاتفاقية الدّولية للقضاء على كلّ أشكال الميز العنصري.
- الاتّفاقية الدّولية لحقوق العمّال المهاجرين وعائلاتهم.
- – الاتّفاقيّة الدّولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
إذاً..
للأشخاص ذوي الإعاقة عامّة وذوي متلازمة داون خاصّة، مستويين من الحقوق:
المستوى الأول كلّ الحقوق التي للبشر.
المستوى الثّاني حقوقاً خاصّة بسبب “وضعيتهم” التي يتمّ على أساسها التّمييز ضدّهم وبالتّالي حرمانهم من حقوقهم كبشر.
وبالتّالي..
للأشخاص ذوي متلازمة داون، بناء على اعتراف الأمم المتحدة وموافقتها، أيّ اعتراف وموافقة كلّ دول العالم الأعضاء فيها، ودون أيّ شكل من أشكال التّمييز:
- الحق في التمتع بجميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في الصكوك الدّولية لحقوق الإنسان، كالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاقية حقوق الطفل، والاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم،
- الحقُّ بتطبيق المبادئ التوجيهية المتعلقة بالسياسات الواردة في برنامج العمل العالمي المتعلق بالمعوقين، والقواعد الموحدة المتعلقة بتحقيق تكافؤ الفرص للأشخاص ذوي الإعاقة في تعزيز وصياغة وتقييم السياسات والخطط والبرامج والإجراءات على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي.
- الحقُّ بتطبيق كلّ الاتّفاقيات النّوعية التي صدرت عن منظّمات الأمم المتّحدة المختلفة، وذات الصّلة بنوعٍ معيّن من الحقوق، كالاتّفاقيات والتّوصيات وبرامج العمل ذات الصّلة بإعمال الحقوق الصّحيّة الصّادرة عن منظّمة الصّحة العالمية، وكالاتّفاقيات والتّوصيات وبرامج العمل ذات الصّلة بحقوق التّعليم والثّقافة الصّادرة عن منظّمة العلوم والتّربية والثّقافة (اليونسكو)، وتلك المتعلّقة بحقوق العمل الصّادرة عن منظّمة العمل الدّولية…..
- الحقّ بتطبيق الاتّفاقيّة الدّولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الصّادرة في 13/12/2006، والتي تهدف إلى “تعزيز وحماية وكفالة تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة تمتعا كاملا على قدم المساواة مع الآخرين بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتعزيز احترام كرامتهم المتأصلة، كما جاء في مادّتها الأولى.
حقوق ذوي متلازمة داون والاتّفاقية الدّولية لحقوق الطّفل
اعتمدت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، اتّفاقيّة حقوق الطّفل في 20 نوفمبر من عام 1989، وقد صادقت كلّ دول العالم – من بينها جميع الدّول الإسلامية- على هذه الاتّفاقية، وهي بذلك الاتّفاقية الوحيدة لحقوق الإنسان في التّاريخ المعاصر التي تحظى بمثل هذا الإجماع الدّولي.
وهذه الاتفاقية المؤلفة من 54 مادة، تمثل “شرعة حقوق” للطفل، تجعل مصالح الطفل الفضلى منارتها الهادية، سالكة نهجاً يتّسم بالإيجابية والتّطلعية، مُطالبة الدول التي تصدق عليها بتهيئة الظروف التي تتيح للطفل المشاركة على نحو فعّال ومبدع في الحياة الاجتماعية والسياسية في بلدانها، واضعة النّهج الحقوقي كأساسٍ للتّعامل مع الأطفال باعتبارهم ذوات مستقلة وأصحاب حقوق، وبأنّ الحكومات المسؤول الأساسي عن توفير تلك الحقوق وحماية الأطفال ودعمهم، دون أن تغفل الدّور المهم للأسرة والوالدين في تقديم الرعاية الأولية، وضرورة تقديم الدعم والمساندة لهم للقيام بهذا الدور على أكمل وجه.
والاتفاقية إذ تغطّي كامل نطاق حقوق الإنسان، المدينة منها والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإنّها تقرّ بأنّ التّمتّع بحقّ من الحقوق لا يمكن أن ينفصل عن التّمتّع بالحقوق الأخرى، حيث تقوم على مبدأ التّكامل والاتّساق بين مختلف الحقوق، وهي تبيّن أنّ الحرّية التي يحتاج إليها الطّفل في تنمية قدراته الفكرية والخلقية والروحية تستلزم، في جملة أمور، وجود بيئة صحية وآمنة، وإتاحة الرّعاية الطّبية، وتوفر حدٍّ أدنى لمستويات الغذاء والكساء والمأوى.
وترتاد الاتفاقية ميداناً جديداً، إذ تنصّ على حقّ الطّفل في أن يكون طرفاً فاعلاً في عملية نموّه، وفي الإعراب عن آرائه، وفي أن تُؤخذ تلك الآراء في الاعتبار لدى اتّخاذ القرارات المتّصلة بحياته، أي في مشاركته في كلّ ما يختصّ به.
وهي الاتّفاقيّة الأولى التي ترد فيها الإشارة صراحة إلى حقوق الأطفال ذوي الإعاقة، وذلك في مادّتها الثالثة والعشرين، من جهة، كما أكّدت تعليقات اللجنة الدّولية لحقوق الطّفل على انطباق نطاق الاتفاقية بكاملها على الأطفال ذوي الإعاقة، من جهة ثانية.
وبالتّالي فإنّ جميع الحقوق الواردة في هذه الاتّفاقيّة تعدّ حقوقاً للأطفال ذوي الإعاقة ومن بينهم طبعاً الأطفال ذوي متلازمة داون، كالحقّ في عدم التّمييز، والحقّ في البقاء والنّماء، والحقّ في إعلاء مصلحة الطّفل الفضلى فوق أيّ اعتبار، والحقّ في التّعليم المجّاني والإلزامي وذي النّوعية الجيّدة، والحقّ في الصحّة، والحقّ في الحماية من كلّ أشكال العنف والإهمال وسوء المعاملة، والحقّ في الحماية من كلّ أشكال الإساءة الجنسية أو الاستغلال الجنسي أو الاستغلال الاقتصادي، والحقّ في العيش الكريم، والحقّ في حريّة التّعبير بكلّ الأشكال المُيسّرة، والحقّ في الوصول إلى المعلومات وأتاحتها بكل الأشكال المُيسّرة…. الخ.
كما جاءت الاتفاقية برؤية محددة ومتطورة لتنشئة الأطفال بمن فيهم الأطفال ذوي متلازمة داون، ورعايتهم وحمايتهم، مُعيدة الاعتبار إلى الدّور الأساسيّ للأسرة “باعتبارها الوحدة الأساسية للمجتمع والبيئة الطبيعية لنموّ ورفاهية جميع أفرادها وخاصة الأطفال… وبأن الطفل، كي تترعرع شخصيته ترعرعاً كاملاً ومتناسقاً، ينبغي أن ينشأ في بيئة عائلية في جو من السعادة والمحبة والتفاهم”، مشدّدة على واجب الدولة في تقديم كلّ أشكال الدّعم للأسرة لمساعدتها على القيام بهذه المهام، بما في ذلك المساعدة المادّية، والتّدريب والتأهيل.. وغير ذلك من أشكال المساعدة، جاعلة هدف التنشئة هو ” تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها”.
وتطالب المادة الثّانيّة من الاتّفاقية الدّول الأطراف بأن “تحترم الحقوق الموضحة في هذه الاتفاقية وتضمنها لكلّ طفل يخضع لولايتها دون أيّ نوع من أنواع التمييز”، وعلى الدّول أن “تتخذ جميع التدابير المناسبة لتكفل للطفل الحماية من جميع أشكال التمييز…”، بما في ذلك طبعاً الأطفال ذوي متلازمة داون.
حقوق ذوي متلازمة داون والاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
في 13 كانون الأول/ ديسمبر 2006 اعتمدت الجمعية العامة اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وبروتوكولها الاختياري، وفُتح باب التوقيع عليهما في 30 آذار/مارس.
وتُعدّ هذه الاتّفاقية الدّوليّة، الأولى في القرن الواحد والعشرين، والأولى أيضا في تاريخ الأمم المتحدة التي يُشارك في صياغتها من الألف إلى الياء القطاع الأهلي الدّوليّ والمحليّ، ذي العلاقة بالأشخاص ذوي الإعاقة إضافة إلى أولياء أمور الأشخاص ذوي الإعاقة والأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم، ومنظمات حقوق الإنسان، والحكومات. لذلك كانت المفاوضات التي جرت لصياغة الاتفاقية، شاقة وطويلة ومتعبة، تواصلت على مدى خمس سنوات.
وتتكوّن الاتفاقية من ديباجة وخمسين مادّة، يمكن تجميعها في أربعة أجزاء، هي:
- الجزء الأول ويتناول الغرض والتّعاريف والمبادئ العامة والتدابير العامة للتنفيذ، ويشتمل على 4 مواد، (م1 إلى م4)
- الجزء الثاني ويتناول تفصيلا الحقوق الأساسيّة، من الحقوق المدنية والسياسية إلى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وحقوق الحماية، ويشتمل على 26 مادة،(م5 إلى م30)
- الجزء الثالث يختصّ بإجراءات جمع البيانات والإحصاءات والرّصد والمتابعة والتّقييم والتّعاون الدّولي واللّجنة الدّولية والتّقارير والمؤتمرات الدّورية، ويشتمل على 10مواد، (م31 إلى م40)
- الجزء الرابع والأخير ويتناول إجراءات الوديع والتوقيع والتصديق والإيداع ومنظمات التّكامل الإقليمي وغيرها من مواد إجرائية تخص الانضمام للاتفاقية والتّحفّظ، ويشتمل على 10 مواد.
مضامين الاتّفاقيّة:
لا بُدّ بداية من الإشارة إلى أن الغرض العام من الاتفاقية هو “تعزيز وحماية وكفالة تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة – من ضمنهم ذوو متلازمة داون – تمتعا كاملا على قدم المساواة مع الآخرين بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتعزيز احترام كرامتهم المتأصلة”. لذلك فهي تشكل تحوّلاً في النّظرة إلى الإعاقة من كونها شأناً يتعلق بالرّعاية الصحيّة والاجتماعية، إلى مسألة من مسائل حقوق الإنسان، أي من “الإحسان” إلى “حقوق الإنسان”، وتُقرّ الاتّفاقيّة بأنّ “الإعاقة تحدث بسبب التفاعل بين الأشخاص الذين يعانون من صعوبات ما، والحواجز في المواقف والبيئات المحيطة التي تحول دون مشاركتهم مشاركة كاملة فعالة في مجتمعهم على قدم المساواة مع الآخرين”، وهذا إقرار بأن الحواجز ومشاعر التّحامل المجتمعية هي المعوّقات أساسيّة تحول دون تمتّع ذوي الإعاقة ومن بينهم ذوي متلازمة داون بحقوقهم أسوة بغيرهم، أي أنّ الاتّفاقيّة تشير هنا إلى “المشكلة” ليست لدى ذوي الإعاقة وذوي متلازمة داون، بل أنّها تكمن لدى “الآخرين” و”البيئة الماديّة” أي بعابرة مختصرة، المشكلة لدى “المجتمع” وليست لدى “ذوي الإعاقة”.
ولذلك سعت الاتّفاقية إلى تغطية عددٍ من الجوانب الرّئيسية ذات الصّلة بتغير “المشاعر” و”الثقافة” والتّصوّرات و”الوعي” المجتمعي العام، باعتبارها أموراً أساسيّةً لتحسين حالة الأشخاص ذوي الإعاقة وذوي متلازمة داون، وألزمت الدّول المصدّقة على الاتفاقية بمحاربة التّصورات النّمطية ومشاعر التّحامل ضدّ ذوي الإعاقة، وبشحذ الوعي بقدراتهم وإسهامهم في المجتمع كما جاء في المادة الثامنة منها.
كما سعت من ناحية أخرى، إلى تغيير مفاهيم ومعايير تصميم البيئة الماديّة، داعية ومروّجة لمفاهيم جديدة، مثل “التّرتيبات التّيسيرية المعقولة” و”التّصميم العام”، وإمكانية الوصول، والتّنقل الشّخصي، مطالبة بتحديد وإلغاء العقبات والحواجز وأن تضمن قدرة وصول الأشخاص ذوي الإعاقة للبيئة المحيطة بهم ولوسائط المواصلات والمرافق والخدمات العامة، وللمعلومات والاتصالات، من خلال تأمين المعلومات المُخصّصة لعامّة النّاس وذلك في أشكال وتكنولوجيات ممكن الوصول إليها، ومن خلال تسهيل استخدام لغة برايل، ولغة الإشارة وغيرهما من أشكال التواصل من خلال تشجيع وسائط الإعلام وشركات المعلوماتيّة (الإنترنت) على توفير معلومات على الشّبكة الدّوليّة للمعلومات (الإنترنت) في أشكال يمكن الوصول إليها.
هذا طبعاً إضافة إلى مجموعة الحقوق الأخرى التي يجب أن يتمتّع بها ذوي متلازمة داون على قدم المساواة مع غيرهم، كالحقّ في الصّحة والتّأمين والضّمان الصّحّي، والتّعليم المجّانّي والإلزامي والتّأهيل وإعادة التّأهيل، والمساواة وعدم التّمييز، والحقّ في الحياة، والحقّ في الأهلية القانونيّة، والمساواة أمام القانون، والحماية القانونيّة، والحق في حيازة الممتلكات ووراثتها، والسّيطرة على الشؤون المالية والحقُّ في الحصول على قروضٍ مصرفية واعتمادات وقروض عقارية، والحقّ في الحماية من كلّ أشكال التّعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والحقّ في الدمج الكامل لذوي الإعاقة ومتلازمة داون في المجتمع ومشاركتهم الفاعلة بحيث يكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتمكّنوا من الحصول على خدمات دعم منزلية وسكنية واجتماعية، والحقّ في حماية خصوصية الأشخاص ذوي الإعاقة وذوي متلازمة داون ومعلوماتهم الشّخصية والصّحية أو أُسرهم أو منازلهم أو مراسلاتهم أو اتّصالاتهم من أيّ تدخل تعسّفي والغير قانوني.
ولم تغفل الاتّفاقيّة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ومتلازمة داون في الزّواج وتأسيس أسرة، إذ ألزمت الاتّفاقيّة الدّول الأطراف فيها على القضاء على التّمييز المتعلق بالزّواج والأسرة والعلاقات الشّخصية، وإتاحة الفرصة لهم على قدم المساواة مع غيرهم في أن يتزوجوا ويؤسّسوا أسرة وأن يمرّوا بتجربة الأبوّة، وأن يقرّروا عدد أطفالهم والفترة الزّمنية التي تفصل بين طفل وآخر، وأن يحصلوا على التّثقيف والوسائل في مجال الإنجاب وتنظيم الأسرة، وأن يتمتّعوا بحقوق ومسؤوليات متساوية بشأن الولاية والقوامة والوصاية على الأطفال وكفالتهم أو تبنّيهم.
وفي مجال الحقّ في العمل والحقوق المرتبطة به، ألزمت الاتّفاقيّة الدّول الأطراف على ضمان حقوقٍ متساويةً في العمل وكسب الرّزق للأشخاص ذوي الإعاقة ومتلازمة داون، وأن تحرّم التّمييز في المسائل المتعلقة بالعمل، وأن تشجّع العمالة الذاتية والأعمال الحرة وفتح أعمال تجارية خاصّة، وتوظيفهم في القطاع العام، وتشجيع توظيفهم في القطاع الخاص، وكفالة تأمين تسهيلات معقولة لهم في أماكن العمل.
وفي مجال حقوق المشاركة في الشّأن العام، ألزمت الاتّفاقيّة الدّول الأطراف على أن تكفل للأشخاص ذوي الإعاقة وذوي متلازمة داون حقّ المشاركة على قدم المساواة في الحياة السياسية والحياة العامّة، بما في ذلك حقّ التّصويت والمشاركة في الانتخابات وشغل المناصب، وأن تشجّع مشاركتهم في الحياة الثقافية، وحياة الاستجمام والأنشطة التّرفيهية والرّياضية من خلال كفالة توفير البرامج التلفزيونية والأفلام والمسرح والمواد الثقافية بأشكال يمكن الوصول إليها، ومن خلال إتاحة الوصول إلى المسارح والمتاحف ودور السينما والمكتبات العامة، ومن خلال ضمان إتاحة الفرصة للأشخاص ذوي الإعاقة لتطوير واستخدام طاقاتهم الإبداعية لا لمنفعتهم الخاصّة فقط، بل ولإثراء المجتمع
كما أكّدت على أنّه يتوجب على البلدان التي تنضمّ إلى الاتّفاقية أن تلتزم بوضع وتنفيذ سياسات وقوانين وتدابير إدارية لتأمين حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وذوي متلازمة داون المُعترف بها في الاتّفاقية وإلغاء القوانين والأنظمة والعادات والممارسات التي تشكل تمييزاً، وأن تكفل على وجه الخصوص للنّساء والفتيات ذوات الإعاقة وذوات متلازمة داون المساواة في الحقوق والنّهوض بأحوالهنَّ، وحماية الأطفال ذوي الإعاقة ومتلازمة داون حقوقاً متساوية، ولا يجوز فصلُهم قسراً عن أبويهم، إلاّ عندما ترى السّلطات أن فصلهم يقع في مصلحتهم الفضلى، ولا يجوز فصل أيّ طفلٍ عن أبويه بسبب إعاقة الطّفل أو الأبوين.
وخلاصة القول…:
(تسعى الاتفاقية لخلق تحوّل نموذجيّ من اتّجاه يميل إلى عزل الأشخاص ذوي الإعاقة وذوي متلازمة داون إلى اتّجاه يميل إلى إشراكهم في المجتمع ودمجهم فيه. فهم يؤدّون أعمالهم فعلاً، ويعيشون ويسهمون بشكل أفضل عندما يشاركون في المجتمع). على حد تعبير رئيس اللّجنة الدّولية المخصّصة لصياغة نصّ الاتّفاقية الدّولية لحماية وتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وصون كرامتهم، السّيد دون ماكّي.
وإذا كان هذا الأمر هامّاً فيما مضى من سنوات سابقة، فإنّه اليوم وفي ظل التّحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تشهدها أغلب بلدان المنطقة، خاصّة على مستوى برامج إعادة الهيكلة والخصخصة، وما فرضته من تحدّيات على مستوى الخدمات الأساسية وبرامج الحماية الاجتماعية والضّغوطات التي تدفع بعض المجموعات البشرية نحو مزيد من التّهميش والإهمال، إلى جانب التّحديات التي فرضتها الصّراعات الفكرية والعولمة وتهديد الهويّة وصورة الذّات، وبروز تيارات متشدّدة وسلوكيات واعتقادات تقوم على الرّفض والإقصاء ونفي الآخر… وكلّها عوامل تُوقع الفرد والأسرة والمجتمع في جملة من التّناقضات والصّراعات، ولذلك فإن معرفة الحقوق والوعي و”التّسلّح” والتّمكين بها، والسّعي الحقيقيّ لإعمالها ونشرها وتنميتها والنّهوض بها، في المجتمع عامّة وبين الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم والأوصياء عليهم، وذوي الصّلة بهم والعاملين معهم خاصّة لتغدو “ثقافة عامة” وسلوكاً يوميّاً يُمارس، هو الضّمانة الأكيدة لمجتمعٍ متوازنٍ تسوده قيم التّسامح والسّلام والحوار وقبول الاختلاف والتّنوع والرأي الآخر.. وهي أساس الاحتواء الشّامل ليس لذوي الإعاقة ومنهم ذوي متلازمة داون فحسب، بل وكلّ الفئات والوضعيات الإنسانيّة التي تتعرّض للتّمييز أو الإقصاء أو التّهميش أو العزل.
(*) ورقة مقدّمة لمتلازمة داون (وعي.. وحقوق)، الشّارقة 21 مارس 2013
























