ما بال العميان أذكى وأكيس من البصراء؟! سؤال يُوغلُ ممتدّاً عابراً الكثير من الأزمنة والأمكنة، بيد أن قتادة أصاب حين أجاب بقوله: لأنّ أبصارهم تحوّلت إلى قلوبهم.
ومن هؤلاء الذين أنعموا ببصيرةٍ ثاقبة مع فقدهم لبصرهم أشعر المولّدين على الإطلاق بشار بن بُرد الأكمه ذو العينين الجاحظتين والوجه المجدور، المولود بالبصرة، من أصلٍ طخارستانيّ في أقصى خراسان، اختلط بالعلماء والمتكلمين، وتردّد على الحلقات والندوات، حفظ أشعار المتقدّمين ورجزهم وخطبهم، وحاز علماً غزيراً.
فمنذ صباه تحرّك الشعر في داخله؛ لينطلق صيحةً هادرةً إلى خارجه، بينما استيقظ حبّ الهجاء باكراً في نفسه، وإن كان قد طرق شتى أغراض الشعر؛ ونتيجةَ تقلّب الظروف به، تبدَّل الشعر عنده للتكسّب والتعيّش، فمدح مروانَ بن محمد، وقيس عيلان، وبعض أمراء الأمويين وولاتهم، كما مدح بعض الخلفاء العباسيين، بيد أنّه لم يثبت على ولاءٍ لقوم أو دولة أو سلطان.
حلّقَ برصانة عباراته، وفخامة ألفاظه في فضاء الأدب العربيّ، وجمع بين مقومات الشعر التقليدية وأوائل معطيات الشعر المحدث وخصائصه. فحين أدرك بشار قدراته، وظّف إمكاناته غير آبهٍ بكلّ فاقد أو مفقود، محوّلاً أشجانه لفرح، وريبته لاطمئنان، وخسارته لربح؛ فحدّة البصر عنده نمّاها ورعاها بيقظة قلبه وإحساسه، فعلا صوته، وذاع صيته؛ ليشير إلى الرابط القويّ بين الذكاء والعمى عبر قولهۖ:
إذا وُلدَ المولود أعمى وجدته
وجدِّكَ أهدى من بصيرٍ وأحولا
عميت جنيناً والذكاءُ من العمى
فجئت عجيبَ الظنِّ للعلمِ موئلا
وغاضَ ضياءُ العينِ للعلمِ رافداً
لقلبٍ إذا ما ضَيعَ الناسُ حصلا
وبشار من يئد مأساته، ويأبى مواساته؛ ولمَّا أغنته أذنه عن عينيه، أنشد لها:
يا قومِ أذني لبعضِ الحيِّ عاشقة
والأذن تعشق قبل العينِ أحيانا
قالوا بمن لا ترى تَهْذِي فقلتُ لهم
الأُذْنُ كالعينِ توفي القلب ما كانا
وقد حُبِي بشار بخفّة ظل، وإدراك للأمور ببديهة حاضرة، فمن طرائفه المعجبة، وأجوبته المسكتة، ما دار بينه وآخر سأله: ما أذهب الله كريمتيّ مؤمن إلا عوضه الله خيراً منهما، فبم عوّضَك؟
فأفحمه بشار بردّه: بعدم رؤية الثقلاء مثلك.
ورغم إيمانه بما مُنِح وأعطِي، فقد كان بشار كثير التفكّر في العمى والتعجّب منه، حتّى شبّه به الجهل في قوله:
شفاءُ العمى طولُ السؤالِ وإنما
دوامُ العمى طولُ السكوتِ على الجهل
ففي شعره تومض الحكمة درراً منثورة جليّة تطوّق جيد أبياته، ومن ذلك قوله في المشورة:
إذا بلغَ الرأيُ النصيحةَ فاستعنْ
بعزمِ نصيح، أو بتأييد حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة
مكان الخوافي نافع للقوادم
وخلّ الهوينى للضعيف ولا تكن
نؤوماً، فإن الحزم ليس بنائم
وما خير كفٍّ أمسك الغلّ أختها
وما خير سيف لم يؤيد بقائم
ولعلّ متتبعاً لشعر بشار يدرك آماد إلهامه بقريحةٍ فاق بها البصراء من شعراء عصره؛ حتّى تسنّم بجلده وصبره وملكته مجد الشعر والأدب والفكر والقلم والنباهة في ظلّ حقبةٍ زمنيّة زخرت بعطائها وثرائها ونضجها.
























