بقلم : د سهير عبد الحفيظ عمر
في مارس 2023 أصدر الاتحاد العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية (WFDB) التقرير العالمي الثاني حول وضع الأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية المبني على نتائج وتوصيات التقرير الأول الصادر عام 2018 ، ونشرت المنال قراءة حوله في عدد سابق.
اقرا ايضا: التقرير العالمي الأول حول الإعاقة السمعبصرية
وجاء التقرير الثاني تحت عنوان “الممارسات الجيدة والتوصيات لإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية”، والذي تم إعداده بالتعاون مع العديد من الشركاء، وبدعم تقني ومالي من منظمة سنس الدولية Sense International، والتحالف الدولي للإعاقة IDA، والجمعية النرويجية لذوي الإعاقة السمعبصرية FNDB، وبتمويل الوكالة النرويجية للتعاون الإنمائي NORAD ووزارة الخارجية النرويجية ، بالإضافة إلى مشروع SHAPES الممول من الاتحاد الأوروبي .
ويُعد هذا التقرير مرجعًا دوليًا مهمًا يُبرز واقع الأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية حول العالم ، ويستعرض الممارسات الجيدة ، والعناصر الأساسية والتدابير التي تعزز إدماجهم وتحسن جودة حياتهم تماشياً مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة CRPD وأهداف التنمية المستدامة SDGs
ويستهدف التقرير أن يكون أداة مناصرة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية كفئة مستقلة قائمة بذاتها ولها احتياجات فريدة مع تحفيز التعاون والشراكات ، وإعلام أصحاب المصلحة -من الحكومات و المانحين و المنظمات غير الحكومية و منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة إضافة إلى مقدمي الخدمات وهيئات الأمم المتحدة- بكيفية تعزيز إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية .
يأتي التقرير بعد الشكر والاختصارات في عدة فصول تحت عناوين المقدمة والسياق Introduction and Context والشروط المسبقة لتحقيق إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة Preconditions for Disability Inclusion ثم دمج الإعاقة ضمن القوانين والسياسات والخدمات Disability Mainstreaming of Laws, Policies, and Services
متضمنة الممارسات الجيدة Good Practices ثم الاستنتاجات والتوصيات Conclusions and Recommendations ، ويختتم بالملاحق وخرائط حالات الدراسة .
بنيت مقدمة التقرير على التقرير العالمي الأول الصادر عام 2018 ، والذي عرضت المنال ملخصه في عدد سابق ومتاح من خلال الرابط :
أكّدت المقدمة أن التقرير الثاني يُعد تطوّرًا مباشرًا للتقرير الأول، حيث يستكمل نتائج 2018، ويعزّز توصياته بالتركيز على الممارسات الجيدة والدلائل الميدانية المدعومة ببيانات نوعية وكمّية من مناطق مختلفة ، ثم تناولت السياق العالمي على ضوء الاهتمام الدولي المتنامي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وأهداف التنمية المستدامة ، لكنها لفتت الانتباه إلى أن الإعاقة السمعبصرية غالبًا ما تُهمل في السياسات رغم أن مبدأ “لا أحد يُترك خلف الركب” يحث على شمول جميع الفئات .
كما أوضحت المقدمة إطار ومنهجية البحث الذي جمع بين البحث الكيفي والبحث الكمي ؛ فتضمن البحث مراجعة لأكثر من مائة مصدر ثانوي كبديل للدراسات الأكاديمية – النادرة حول هذه الإعاقة – مثل التقارير والمقالات ودراسات الحالة، إلخ والمقدمة من أعضاء الاتحاد العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية وشركائهم ، إضافة إلى استجابات للممارسين والأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية حول أفضل الممارسات ، اعتماداً على 165 ردًا من 42 دولة مع تنوع نسبي في تمثيل البلدان حسب مستويات الدخل ، وكذلك مقابلات معمقة لدراسات حالة حول موضوعات أساسية ، وتم تقييم الممارسات الجيدة بناءً على معايير حقوق الإنسان في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. وتم تحليل بيانات من مسوحات المؤشرات متعددة المجموعات التابعة لليونيسف في 36 دولة، والتي استخدمت نماذج مجموعة واشنطن-اليونيسف لوظائف الطفل للكشف عن الإعاقة لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 2-17 عامًا ، وغطت العينة أكثر من 442,000 طفل
.
أما البحث الكمي فركز على انتشار الإعاقة السمعبصرية لدى الأطفال ، ومقارنة نتائجهم التعليمية والصحية والرفاهية مع الأطفال الآخرين من ذوي الإعاقات الأخرى ومن غير ذوي الإعاقة ، كما ساهمت ورشة عمل الاتحاد العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية -المنعقدة في كينيا عام 2022 – في إثراء التقرير من خلال مناقشات ومساهمات أعضاء مجلس إدارة الاتحاد والمشاركين ، بالإضافة إلى لقاء فني في جنيف (يوليو 2022) لمراجعة النتائج.
تناولت المقدمة أيضاً نظرة عامة على الإعاقة السمعبصرية بداية من تعريفها كإعاقة مستقلة قائمة بذاتها مع التأكيد على التنوع الكبير داخل مجتمع الأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية ، والذي يشمل الاختلافات في أسباب الإعاقة سواء كانت ولادية – مثل متلازمة أشر أو متلازمة تشارج – أو مكتسبة بسبب الشيخوخة أو الأمراض أو الحوادث ، والعمر عند بدء الإصابة مما يؤثر على تطور اللغة والتواصل والتعليم إضافة إلى درجة ونوع تأثر كل من السمع والبصر ؛ فتمتد درجة التأثيرات من خفيفة إلى شديدة ، وقد تكون مستقرة أو متغيرة تزداد سوءاً أو تدهوراً ، ومن عوامل التنوع أيضاً وجود إعاقات إضافية ؛ فقد يعاني بعضهم من تحديات جسدية أو ذهنية أو صحية أخرى ، كما تتنوع أساليب التواصل لدى الِأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية لتشمل لغات الإشارة البصرية و اللمسية و الكلام و الكتابة مع استخدام طريقة برايل و الخط المكبر إضافة إلى الأجهزة المساعدة وغيرها ، وكذلك تتنوع مجموعة الأدوات والتقنيات المستخدمة في التوجه والحركة مثل العصا البيضاء و كلاب الإرشاد وأجهزة تحديد المواقع وكذلك الدعم البشري.
تضمنت المقدمة نتائج الاتحاد العالمي للإعاقة السمعبصرية حول انتشار الإعاقة السمعبصرية والتي تتراوح نسبتها بين 0.2% و 2% من سكان العالم . غالبًا ما تكون مخفية ومهمشة ، ويواجه أصحابها صعوبات في الحصول على الدعم المناسب بسبب نقص الفهم والوعي بحالتهم الفريدة وأخيراً حددت المقدمة بناء التقرير ومحتوياته.
نافش الفصل الثاني الشروط المسبقة للإدماج باعتبارها اللبنات الأساسية أو الركائز التأسيسية الضرورية لتلبية متطلبات الأشخاص ذوي الإعاقة ، ويجب أخذها في الاعتبار عند وضع السياسات العامة والبرامج عبر جميع القطاعات وهذه الشروط هي :
- الاعتراف القانوني بالإعاقة السمعبصرية كإعاقة مستقلة قائمة بذاتها distinct disability
يجب الاعتراف الرسمي والقانوني سواء على المستوى الدولي أو الوطني أو المحلي بالإعاقة السمعبصرية كإعاقة مستقلة ، ويتبنى التقرير تعريف الدول الإسكندنافية لهذه الإعاقة كإعاقة متفردة قائمة بذاتها ، ناتجة عن تأثر حاستي السمع والبصر مما يجعل من الصعب على الحواس المتأثرة تعويض بعضها البعض ، وتؤثر هذه الإعاقة على التواصل ، والوصول إلى المعلومات ، والتوجه والحركة ، وتختلف تأثيراتها واحتياجاتها عن الصمم أو كف البصر كل على حده ، وهذا الاعتراف ضروري عند وضع السياسات والبرامج لتيسير تقديم خدمات مخصصة لهذه الفئة ، وشرط أساسي لتحقيق الإدماج . - التوعية ومكافحة الوصم والتمييز حيث يتعرض الأشخاص ذوو الإعاقة السمعبصرية للوصم ، وربما الاستبعاد أو الإقصاء داخل الأسرة أو المدرسة أو سوق العمل ، نتيجة عدم الوعي بطبيعة الإعاقة ، والمفاهيم الخاطئة حول أصحابها كاعتقاد البعض أنهم لايفهمون أو لايمكن مساعدتهم ، لذا يجب تعزيز الوعي لدى الجهات المعنية بالقدرات الفعلية للأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية ، والترويج لنماذج إيجابية من الأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية كأعضاء مشاركين فاعلين ، وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي تحد من إدماجهم من خلال حملات إعلامية وتوعوية مجتمعية شاملة .
- إزالة الحواجز… وإمكانية الوصول : Accessibility
الإتاحة وتيسير إمكانية الوصول لمختلف البيئات المادية والمعلوماتية والتكنولوجية والخدمية شرط أساسي للمشاركة في التعليم والصحة والعمل والحياة الاجتماعية ، ويشمل ذلك دعم التواصل والأجهزة التعويضية ونقل المعلومات وإتاحتها بصيغ وطرق مناسبة للأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية ، وأشار التقرير إلى دراسة حالة البرازيل التي لديها تشريعات لضمان حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلا أن الأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية يواجهون تحديات كبيرة عند التطبيق الفعلي بسبب النقص الكبير في الترتيبات الميسرة والتي تلبي الاحتياجات الخاصة للأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية ويظلون غير مشمولين فعلياً في الخدمات دون تحقيق إمكانية الوصول . - الكشف ، والتقييم ، والإحالة :
وتشمل عملية الكشف Identification فحوصات صحية أساسية ، واستخدام استبيانات الكشف عن عوامل الخطر ، ومراقبة الوظائف النمائية ، وقد يعجز العاملون في المجال الصحي عن رصد الإعاقة بسبب نقص التدريب المناسب، وقد يتم تشخيصها خطأً على أنها إعاقة ذهنية أو خرف . أما التقييم Assessment فيشمل تقييم الوظائف البصرية والسمعية، بالإضافة إلى القدرة التواصليّة والوظائف المعرفية ، ويعتمد على أدوات متخصصة لا تظهر فقط درجة القصور في السمع والبصر ، بل قياس كيفية تأثير ذلك على التواصل والاعتماد على النفس. ويؤدي التقييم غير الدقيق إلى أخطاء التدخل بما يؤثر على خطط العلاج والدعم المناسب . وبعد التقييم تجب الإحالة Referral إلى اختصاصيين في إعادة التأهيل مثل اختصاصيي النطق والسمع والبصر ، والعلاج الطبيعي إلخ.. مع توفير معلومات طبيعة الإعاقة وطرق التوافق الممكنة للأسرة والمعنيين , ودعم ومتابعة وتنسيق بين الجهات المختلفة.
ويشير التقرير إلى أنه لا توجد نظم وطنية شاملة بالكشف/التقييم/الإحالة عبر جميع الأعمار والمناطق ، ووجود عراقيل إدارية ومالية مع ضعف في إعداد الكوادر يؤدي لعدم توفير التدخل المبكر المناسب بما يقلل من فرص الاستقلال والمشاركة المجتمعية الفاعلة. ويؤكد التقرير على التدريب الشامل لمقدمي الخدمات الأولية من أطباء ومربين وممرضين على رصد ملامح الإعاقة السمعبصرية ، وتوفير الكشف والتقييم، والإحالة ليست عملية تقنية بحتة ، بل هي المفتاح لفتح أبواب الدعم الحياتي للأشخاص ذوي الإعاقة السمعبصرية ، و بدونها يظل الكثيرون معزولين ومحرومين من فرص التعليم والعمل والتواصل .
ونظراً لطول التقرير وثراء معلوماته نتابع القراءة في المقال القادم بإذن الله ,ويمكن الوصول لكامل التقرير من خلال :
World Federation of the Deafblind. (2023). Second global report on the situation of persons with deafblindness: Good practices and recommendations for the inclusion of persons with deafblindness
https://wfdb.eu/wp-content/uploads/2023/03/ENG_WFDB-2nd-Global-Report_-FINAL-V6.pdf
























