نافذة مفتوحة نحو التواصل المتطوِّر
الكاتبة والصحفية سريعة سليم حديد
ظهرت في وقتنا الراهن مجموعة كبيرة من مصطلحات الذكاءات المختلفة, منها: ذكاء معرفة الذات, الذكاء الموسيقي, الذكاء الاصطناعي, الذكاء الفراغي أو البصري, الذكاء البدني أو العضلي.. ولكن ما يهمنا الحديث عنه الآن هو الذكاء العاطفي, فقد أثبت أهميته على الصعيد النفسي, فآثرنا الدخول في بعض تفاصيله اللافتة.
ــ انتشر مفهوم الذكاء العاطفي عام 1995 من خلال إصدار كتاب عن الذكاء العاطفي لعالم النفس والصحفي “دانيال جولمان” فقد وسَّع من خلاله عمل “سلوبي وجون ماير” وتحدَّث فيه عن كيفية أن يكون الذكاء العاطفي أهم من الذكاء الأكاديمي أو العقلي في نجاح الشخص بشكل عام على الصعيد الشخصي والمهني والعلاقات. مع العلم أن الذكاء العاطفي يتطوَّر مع الزمن, هذا ما يختلف عن الذكاء العقلي الذي يتوقَّف عن التطوُّر في مرحلة معينة من الحياة.
ــ تعريف الذكاء العاطفي: هو قدرة الشخص على التعرُّف على مشاعره وفهمها وتنظيمها والتعبير عنها بشكل صحي. إلى جانب قدرته على فهم مشاعر الآخرين والتعامل معها بشكل سليم أيضاً.
ــ السمات التي تؤخذ بعين الاعتبار لتحديد مدى الذكاء العاطفي عند الأشخاص المحيطين بنا.
ــ نحتاج دائماً إلى فهم الناس من حولنا, هل هم قادرون على الوعي الذاتي وفهم مشاعرهم عندما يكونون في حالة غضب وحزن, ويربطونها بالأشياء التي تحدث معهم؟ هل يمتلكون الإدارة الجيدة لمشاعرهم؟ كلما رأينا أشخاصاً لديهم القدرة على التحكم بالغضب وردة الفعل تجاهه، وجدنا أنهم يمتلكون الذكاء العاطفي أكثر من غيرهم.
ــ عندما ننظر إلى الآخرين, ونجد عندهم القدرة على الارتباط والتفاعل مع مشاعر الناس الذين حولهم من ناحية شعورية, هذا ما يجعل الذكاء العاطفي عندهم أعلى من الذين لا يمتلكون القدرة على التعاطف مع من حولهم.
ــ كذلك التواصل الفعَّال يختلف من شخص إلى آخر, وأي شخص لديه القدرة على التواصل الفعَّال بسهولة ويسر, هذا يعني أنه يستعمل الذكاء العاطفي في التواصل مع الآخرين.
وأيضاً القدرة على حل المشاكل بطرق حسنة بعيداً عن الطرق الجارحة, إضافة إلى امتلاك المرونة العاطفية. هذا لا يعني أن الشخص الذي يمتلك المرونة العاطفية يسامح الآخرين بسرعة, وينسى الإساءة مثلاً, بل هو قادر على التكيف مع المتغيرات التي حوله بشكل صحي دون أن يفقد توازنه.
ــ ماذا يُطلب منك كي تكون ذكياً عاطفياً؟
ــ على الصعيد الشخصي: بداية على الشخص أن يعترف أنه يوجد ذكاء عاطفي, ويحاول أن يقرأ عنه ويطلع عليه, ويمارسه, ومن الصعب أن يصبح ذكياً عاطفياً بين ليلة وضحاها هذا أمر صعب المنال, وغير واقعي, فمن خلال القراءة ومراقبة الذات وتحديد الهدف لتطوير القدرات العاطفية يتحسَّن بشكل تدريجي, وبالتالي سينتج عنه تطوُّر في مجال الذكاء العاطفي. بما معناه: أنا أريد أن أصبح ذكياً عاطفياً, يجب عليَّ أن أدرك مفهوم الذكاء العاطفي, وأمتلك الهدف لتطوير قدراتي الذاتية.
ــ من الضروري أن أبداً النظر إلى نفسي, وأراقب ذاتي عندما أشعر بالغضب أو الحزن أو السعادة.. كيف أشعر بذلك, وكيف يتم تأثيره علي, وكيف يؤثِّر على من حولي؟ ما هي الأشياء التي تسبب لي تلك المشاعر؟ عندما أصل إلى فهم نفسي يمكن لي التعبير عن مشاعري وتنظيمها. أنا أشعر بالغضب, فيمكن أن أنسحب عندما يكون الموقف غير مناسب, أو يمكن أن أقوم بتمارين التنفُّس.
عندما أصل إلى وعي ذاتي, وفهم مشاعري, هذا ما يدفعني للتعبير عن مشاعري وتنظيمها. وبالتالي الوصول إلى السلوكيات الظاهرة للآخرين نوعاً ما, وقد استطعت التحكم بها. كما نقول: الأفكار تؤثر على المشاعر والمشاعر توثر على السلوكيات. فكلما فهمتُ مشاعري وذاتي, استطعت التحكم أكثر بسلوكياتي.
ــ أما على صعيد الآخرين: كيف يمكن أن أكون ذكياً؟ عندما أبدأ بفهم مشاعر الآخرين, وأضع نفسي مكانهم. أي التعاطف, عندها أستطيع أن أتحكَّم أكثر بسلوكياتي معهم، أن أجد الأعذار لهم, وأتفهَّم ذلك. عندما أراهم في حالة عصبية أحاول أن أبتعد, وأتجنب الغضب, وعندما يكون أحدهم حزيناً أبحث عن الطريقة التي يحب الشخص التعامل معه في ذلك الظرف. أي تعاطفي وتفهمي للآخرين يحدِّد سلوكياتي معهم. فالوصول إلى الذكاء العاطفي يحتاج إلى وقت ومراقبة الذات. فعندما أغضب, قد أصرخ, وأقوم بسلوك غير لائق, أفكِّر, لمَ هذا الغضب؟ كان علي التصرف بطريقة أخرى, الطريقة الصحيحة لتغيير سلوكي.
ــ كيف يمكن تطوير وتحسين الذكاء العاطفي عند الأفراد؟
ــ كنا سابقاً نؤمن بقيمة وأهمية النجاح الأكاديمي أو العقلي, بالنجاح على صعيد العمل الشخصي, بينما أثبتت الدراسات لاحقاً أن الذكاء العاطفي هو أهم على صعيد بناء العلاقات الاجتماعية, وبالتالي العمل.
مؤخراً معظم الشركات بدأت تبحث عن الذكاء العاطفي عند الشخص أكثر من الذكاء الأكاديمي أو بمستواه على الأقل, فلا يكفي أن يمتلك الشخص معدلاً عالياً, بل أصبح مطلوباً منه أن يطوِّر الذكاء العاطفي إلى جانب الذكاء الأكاديمي. فقد وجدوا أن الأشخاص الذين يمتلكون ذكاءً عاطفياً بأنهم أكثر قدرة على الترقي والصعود على السلّم الوظيفي من خلال قدرتهم الجيدة على بناء علاقات اجتماعية, وشبكة من العلاقات تساعدهم على الوصول بشكل أسرع إلى النجاح.
كذلك يمكن لي أن اطوِّر وأحسِّن الذكاء العاطفي عن طريق اليقظة الذهنية أو التأمل. أبدأ بتأمل نفسي, مشاعري, سلوكياتي, أتأمل ما حولي بشكل عام.. فالتأمل يدعو الإنسان إلى التفكير بشكل أوسع, كذلك ممارسة “اليوغا” أعزز بها مسألة التأمل من خلالها أنظِّم مشاعري, كذلك من خلال ممارسة تمارين التنفس الصحيحة, فهي تساعدني على قراءة نفسي ومشاعري, وبالتالي أتحكَّم بنفسي من خلال “اليوغا” أو تمارين التنفُّس, أو تمارين التأمل.
ــ أبدأ بتسمية المشاعر التي تنتابني حتى أستطيع تنظيمها, أنا أشعر بالغضب, بالحزن, بالخوف.. مما يسهِّل عملية التواصل مع نفسي والآخرين. وبالتالي يساعد على بناء حوارات فعَّالة مع البيئة التي حولي, فأنا أشعر بالضيق, إذاً ليس هو الوقت المناسب الذي يجب علي أن أتكلَّم فيه, وبالتالي الشخص الذي أمامي لديه القدرة على فهمي, والعكس صحيح.
فعندما أعبِّر عن السعادة أمام الآخرين, فأنا أنشر السعادة للآخرين إضافة إلى الطاقة الإيجابية. كل هذا يعزِّز من الذكاء العاطفي. القراءة وتمارين التنفس والمحاولات, والاعتراف بالتعبير عن مشاعري الخاطئة وكذلك لدي مرونة عاطفية, أي أتقبَّل تصحيح أخطائي, مما يعزز المرونة العاطفية مع نفسي والآخرين, وبالتالي تتحسَّن علاقتي معهم, وأعطيهم فرصة لتصحيح أخطائهم وبناء علاقات اجتماعية مستدامة.
ــ ما الذي يعيق الذكاء العاطفي, وهل يمكن أن يطلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي؟
ــ شعور الشخص بأنه في خطر, إذاً, هو يحاول اكتشاف تلك المشاعر أي أنه ليس بأمان, ولن يتغيَّر ويتحسن. ومما يزيد الأمور سوءاً هو أنه يستغرب ويشعر بالخزي, كيف يمكن للآخرين أن يتحدثوا عن مشاعري باعتبارها سرِّي, شيء خاص بي. فمن وجهة نظره ليس من المستحسن أن يشاركه فيها أحد.
ــ لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعوِّض عن الذكاء العاطفي, لأنه يمتلك محدودية في العلم والتكيُّف, ولكنه يستطيع أن يطوِّر من الذكاء العاطفي لدى الأشخاص, فيساعدهم, بحيث يضعهم أمام تجارب جديدة, وبطرح الحلول, أي يكون بمثابة وسيلة للتعلُّم بتقديم المواد التعليمية. كذلك الإنسان بطبيعته محتاج أن تكون لديه علاقات عاطفية, يعبِّر عن مشاعره, ويتواصل مع الآخرين, بحيث يشعر بانتمائه إلى تلك المجموعة من الناس, بذلك لا يمكن استبدالهم, ووضع آلة أمامه, لأنه في كثير من الأحيان لن يستطيع الشعور بذلك التواصل. مع العلم أن تطوُّر الذكاء الاصطناعي قطع أشواطاً جديدة, فصار باستطاعته التكلُّم مع الناس بشكل جيد, ولكن حتى هذه اللحظة لا يمكن أن يحلَّ محل الذكاء العاطفي.
ختاماً نقول: من الجميل أن يتماشى الإنسان مع تقنيات العصر المتطوِّرة كل يوم, ولكن من المهم جداً أن تبقى له خصوصياته ومشاعره التي لن يستطيع التقدم العلمي أن يرقى إليها, مهما تطوَّر.
























