إعداد: عبير إبراهيم سماحة ، مشرف تربوي في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية /مركز التدخل المبكر
مقدمة:
أعاد التحول الرقمي تشكيل ملامح العملية التعليمية عالمياً، حيث أصبح التعليم عن بعد أحد الركائز الأساسية لأنظمة التعليم الحديثة، لا سيما بعد جائحة كورونا التي أكدت ضرورة التحول الرقمي واستخدام أنظمة حديثة في العملية التعليمية. وقد أتاح هذا النظام التعليمي فرصاً كبيرة لتوسيع نطاق الوصول إلى التعليم، خاصة للأشخاص من ذوي الإعاقة الذين يواجهون صعوبات في البيئات التعليمية التقليدية (Chalkiadakis et al., 2024).
ومع ذلك فإن هذا التحول لم يكن كافياً لكل الطلاب حيث كشفت التجارب عن مجموعة من التحديات تحدّ من فاعلية هذا النمط التعليمي للفئات الأكثر احتياجاً. وفي هذا السياق برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة هامة يمكنها إعادة تشكيل تجربة التعليم بصورة أكثر شمولية ومرونة وإنصافاً لجميع الطلاب في الحقل التعليمي.
وتجدر الإشارة إلى أن الدراسات الحديثة تضع في الحسبان المخاطر المحتملة الناجمة عن توظيف الذكاء الاصطناعي دون مراعاة كافية لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة ومشاركتهم في عملية تصميم البرامج التعليمية (Pierrès et al., 2024).
وبناءً على ما سبق يسعى هذا المقال إلى الإجابة عن السؤال الآتي:
كيف يمكن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحويل التعليم عن بعد من بيئة مليئة بالتحديات إلى فرصة حقيقية تعزز شمولية التعليم لكل الفئات مع ضمان مراعاة أبعاده الأخلاقية والإنسانية؟
أولاً: التحديات في بيئات التعليم عن بعد:
1. محدودية التصميم الشامل
تشير الدراسات إلى أن العديد من المنصات الرقمية لا تزال بعيدة عن تحقيق معايير التصميم الشامل للتعليم (UDL)، ممّا يحد من إمكانية تفاعل الطلبة من ذوي الإعاقات المختلفة مع المحتوى التعليمي الرقمي وما يتطلبه من أدوات وأساليب متنوعة للعرض والتعبير والتفاعل (Al-Azawei et al., 2016).
2. الفجوة الرقمية وعدم تكافؤ الفرص
لا تزال عملية الوصول غير المتكافئة إلى التكنولوجيا أحد أبرز التحديات ،إذ يؤثر توفر الأجهزة الملائمة وضعف البنية التحتية الرقمية على فرص التعلم للعديد من الأفراد ، خاصة لدى الفئات الأكثر احتياجاً في البلدان النامية (UNESCO, 2021). و كذلك تزداد هذه الفجوة مع الأشخاص من ذوي الإعاقة.
3. قصور الإعداد التربوي الرقمي
أظهرت دراسات حديثة أن عدداً كبيراً من أفراد الكادر التعليمي يفتقر إلى المهارات اللازمة لتصميم أنشطة تعليمية رقمية تراعي احتياجات الطلاب ذوي الإعاقات المختلفة ، ويظهر ذلك في توظيف التقنيات المساندة وتكييف المحتوى الرقمي (Trust & Whalen, 2020).
4. قصور التفاعل الاجتماعي
الاعتماد بصورة مبالغ فيها على التعلم الافتراضي يؤدي إلى نقص فرص التفاعل والمشاركة الأمر الذي يمثل عنصراً أساسياً في دعم التفاعل الاجتماعي والانفعالي لدى الطلاب من ذوي الإعاقة، خاصة أولئك الذين يعانون من مشكلات في التواصل الاجتماعي (Zhao et al., 2021).
5. المخاوف الأخلاقية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التعليمية
تشير الدراسات الحديثة إلى ضرورة تعزيز و تطوير تقنيات التعليم المدعومة بالذكاء الاصطناعي وإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في مراحل تصميم هذه التقنيات لضمان أن تعكس احتياجاتهم الفعلية لا افتراضات المطورين (Pierrès et al., 2024). ويحدد الباحثون في هذا الإطار مجموعة من المخاطر المحتملة ترتبط باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم و تشمل: أخطاءً منهجية متكررة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ، وتوقعات مبالغ فيها، وصعوبة التحقق من مخرجات الأنظمة الذكية لدى من يحتاجون إليها أكثر من غيرهم.
ثانياً: الذكاء الاصطناعي مدخل لتعزيز التعليم الشامل
في العصر الحالي أصبح الذكاء الاصطناعي من أبرز الركائز لتحسين جودة التعليم الشامل، حيث يتيح إمكانيات حديثة لتكييف العملية التعليمية وفق احتياجات الأفراد وتظهر الدراسات الحديثة عدة مستويات للتوظيف:
1. التعلم المخصص والتكيفي
تؤكد الدراسات الحديثة أن الذكاء الاصطناعي قادرعلى تحليل أنماط تعلم الطلبة وتقديم محتوىً يتناسب مع قدراتهم الفردية، مما يعزز الفهم ويقلل من الفجوات التعليمية (Holmes et al., 2019؛ Panjwani-Charania & Zhai, 2024). وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن أنظمة التعلم المخصص الموجهة لتلبية احتياجات كل طالب والتعلم القائم على الألعاب التعليمية التفاعلية تمثل أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي انتشاراً وفاعلية مع الطلبة ذوي صعوبات التعلم (Fernandez-Reina et al., 2025).
2. التقنيات المساندة الذكية
تتنوع التقنيات المساندة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتشمل: واجهة المستخدم الصوتية، وقارئات الشاشة، وأدوات التواصل البديل ، ومنصات التعلم التكيفي التي تقوم بتعديل المحتوى التعليمي والسرعة لتناسب الاحتياجات الفردية للطلبة. وتدعم هذه الأدوات بفاعلية الطلبة ذوي الإعاقات الحسية والجسدية من خلال تعزيز التواصل والتفاعل الاجتماعي (Okonkwo & Ade-Ibijola, 2021). فضلاً عن ذلك، توسع التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي كـ ChatGPT نطاق هذا الدعم من خلال التعلم الشخصي القائم على تقديم المحتوى بأشكال مرنة ومتعددة وتراعي احتياجات الأفراد (Rice & Dunn, 2023).
3. التحليل التنبؤي ودعم اتخاذ القرار
تساعد خوارزميات الذكاء الاصطناعي في رصد وتحليل مؤشرات الصعوبات الأكاديمية والتنبؤ بها خلال مرحلة مبكرة بالنسبة للطلاب، مما يتيح تقديم تدخلات تعليمية فعالة تخدم الطلبة عموماً وبصورة خاصة الطلبة من ذوي صعوبات التعلم الذين قد لا نتعرف على احتياجاتهم إلا في مراحل متأخرة (Luckin et al., 2016).
4. الواقع الافتراضي والمعزّز بوصفهما تقنيتين داعمتين
تشير الدراسات الحديثة إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي مع تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزّز يتيح بيئات تعليمية تفاعلية ومحاكية للواقع تعزّز التعلم التفاعلي وتخفّف من قيود البيئة التعليمية التقليدية لدى الأشخاص ذوي الإعاقة (Chalkiadakis et al., 2024).
5. شواهد من الدراسات الحديثة (2023–2025)
تشير دراسة حديثة شملت 11 دراسة تجريبية وضمّت 3,033 مشاركاً، إلى أن جميع الدراسات أفادت بنتائج إيجابية لتدخلات الذكاء الاصطناعي مع الطلبة ذوي صعوبات التعلم، وكانت “عسر القراءة” (Dyslexia) الأكثر بحثاً(Fernandez-Reina et al., 2025). كما توصل Sánchez وآخرون (2024) في دراسات متخصصة بالتعليم عن بعد والتقنيات المساندة، إلى أن هذا الجمع بين النمطين يمثّل فرصة حقيقية لتحقيق التوازن في الوصول والمشاركة لجميع الطلاب. كما تؤكد دراسة El Morr وآخرين (2024) أن استخدام الأنظمة الذكية يسهم في تحسين الأداء الأكاديمي والاستقلالية لدى الطلبة ذوي صعوبات التعلم.
ثالثاً: إعادة تشكيل التجربة التعليمية – من التحدّي إلى الفرصة:
لم يعد التعليم عن بعد مجرد حلّ مؤقت أو بديل في الأوقات الطارئة، بل أصبح بيئة تعليمية قابلة للتطوير لتكون أكثر شمولية ومرونة وتخصيصاً. وتشير نتائج الأبحاث والدراسات إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي يسهم في:
- تعزيز استقلالية المتعلم وتمكينه من التحكم في مساره التعليمي
- دعم التعلم الذاتي المنظم وتطوير الكفاءة الذاتية
- تحسين جودة المخرجات التعليمية وتقليل الفجوات الأكاديمية
- توسيع نطاق التفاعل الاجتماعي ودعم الاندماج المجتمعي
كما تؤكد الدراسات الحديثة أن الانتقال من نموذج التعليم الموحد إلى التعلم الفردي المدعوم بالذكاء الاصطناعي يمثل تحولاً جوهرياً في فلسفة التعليم الشامل، إذ يعيد تعريف “الإعاقة” من كونها عائقاً ثابتاً إلى كونها حالة يمكن تجاوزها بالتوظيف الذكي للتقنية (El Morr et al., 2024).
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التحول لن يتحقق من تلقاء نفسه إذ يستلزم إدراك أصحاب القرارلضرورة إشراك الأشخاص من ذوي الإعاقة في تصميم البيئات التعليمية الرقمية وتقييمها (Pierrès et al., 2024).
رابعاً: متطلبات التحول نحو تعليم شامل فعال:
1. التصميم الشامل للتعلم (UDL)
يعد تطبيق مبادئ التصميم الشامل للتعليم شرطاً أساسياً لضمان إتاحة المحتوى التعليمي لجميع الطلاب، وهو يقوم على ثلاثة مبادئ جوهرية: تعدد وسائل تقديم المعلومات والمحتوى التعليمي، وتعدد وسائل التعبير والتواصل، وتعدد وسائل المشاركة والتحفيز (Al-Azawei et al., 2016).
2. تطوير الكفاءات المهنية للمعلمين
يتطلب دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم الإعداد المهني المستمر للمعلمين حيث يشمل ذلك: فهم ماهية التقنيات المساندة، وتصميم أنشطة رقمية تراعي الفروق الفردية ، وتنمية الوعي بحقوق الأشخاص من ذوي الإعاقة.
3. تحقيق التكامل بين البعد الإنساني والتقني
يبقى المعلم العنصر الأكثر أهمية في إنجاح أي تجربة تعليمية ولا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محل الدور التربوي للمعلم والعلاقة الإنسانية في التعليم، بل يجب أن تكون داعمة لهما
4. تطوير سياسات تعليمية شاملة ومنصفة
يتطلب تحقيق مفهوم التعليم الشامل وجود سياسات واضحة تدعم الوصول المتكافئ للتكنولوجيا للجميع ، وتوجه الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي في التعليم، وتلزم مطوري المنصات الرقمية بمعايير إمكانية الوصول.
5. إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في مسار التصميم والتقييم
تؤكد الدراسات الحديثة أن غياب دور الأشخاص من ذوي الإعاقة في عمليات تصميم تقنيات التعليم يمثل ثغرة جوهرية حيث لا يمكن ضمان ملاءمة أي تقنية تعليمية لاحتياجاتهم دون مراعاة وجهات نظرهم في مراحل التصميم والتطوير والتقييم (Pierrès et al., 2024).
خامساً: آفاق مستقبلية
تشير الاتجاهات الحديثة إلى أن مستقبل التعليم سيتجه نحو بيئات تعليمية ذكية قائمة على التخصيص والتفاعل. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، يمكن إعادة صياغة مفهوم الإعاقة من منظور يركز على القدرات بدل القيود، مما يعزز مفهوم التمكين عوضاً عن الرعاية.
خاتمة:
يعد التعليم عن بعد فرصة حقيقية لإعادة بناء منظومة التعليم الشامل حيث إنه مع توظيف الذكاء الاصطناعي ، يمكن تحويل التحديات إلى فرص حقيقية تدعم استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة وتمكنهم من المشاركة الفاعلة في المجتمع.وتكشف الدراسات العلمية أن نجاح هذا التحول مرهون بالنقاط التالية:
التكامل الحقيقي بين الابتكار التكنولوجي والرؤية التربوية الإنسانية
اليقظة الأخلاقية في التصميم والتطبيق والتقييم
وإشراك الأشخاص من ذوي الإعاقة كشركاء فاعلين في صياغة مستقبلهم التعليمي.
المراجع الأجنبية
- Al-Azawei, A., Serenelli, F., & Lundqvist, K. (2016). Universal design for learning (UDL): A content analysis of peer-reviewed journal papers from 2012 to 2015. Journal of the Scholarship of Teaching and Learning, 16(3), 39–56.
- Almashhadani, R., et al. (2025). The influence of artificial intelligence on individuals with disabilities: A qualitative scoping review. Acta Psychologica, 255. https://doi.org/10.1016/j.actpsy.2025.104904
- Chalkiadakis, A., et al. (2024). Impact of artificial intelligence and virtual reality on educational inclusion: A systematic review of technologies supporting students with disabilities. Education Sciences, 14(11), 1223.
- El Morr, C., et al. (2024). Artificial intelligence and disability: A systematic review. Universal Access in the Information Society.
- Fernandez-Reina, M., et al. (2025). The effectiveness of artificial intelligence-based interventions for students with learning disabilities: A systematic review. Brain Sciences, 15(7). https://doi.org/10.3390/brainsci15070679
- Holmes, W., Bialik, M., & Fadel, C. (2019). Artificial intelligence in education: Promises and implications for teaching and learning. Center for Curriculum Redesign.
- Luckin, R., Holmes, W., Griffiths, M., & Forcier, L. (2016). Intelligence unleashed: An argument for AI in education. Pearson.
- Okonkwo, C. W., & Ade-Ibijola, A. (2021). Chatbots applications in education: A systematic review. Computers & Education: Artificial Intelligence, 2, 100033.
- Panjwani-Charania, S., & Zhai, X. (2024). AI for students with learning disabilities: A systematic review. Computers & Education.
- Pierrès, O., Christen, M., Schmitt-Koopmann, F. M., & Darvishy, A. (2024). Could the use of AI in higher education hinder students with disabilities? A scoping review. IEEE Access, 12, 27810–27828. https://doi.org/10.1109/ACCESS.2024.3365368
- Rice, M., & Dunn, S. (2023). The use of artificial intelligence with students with identified disabilities: A systematic review with critique. Computers in the Schools, 40(4), 370–390.
- Sánchez, J., Reyes-Rojas, J., & Alé-Silva, J. (2024). What is known about assistive technologies in distance and digital education for learners with disabilities? Education Sciences, 14(6), 595. https://doi.org/10.3390/educsci14060595
- Trust, T., & Whalen, J. (2020). Should teachers be trained in emergency remote teaching? Lessons learned from the COVID-19 pandemic. Journal of Technology and Teacher Education, 28(2), 189–199.
- UNESCO. (2021). Reimagining our futures together: A new social contract for education. UNESCO.
- Zhao, Y., et al. (2021). Online learning and interaction: A systematic review. Educational Technology Research and Development.
























