من الحقوق إلى الواجبات
إعداد مي الرئيسي/ اختصاصي اجتماعي أول بمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية
في كل مدرسة، هناك قصص لا تُروى بالأصوات، بل تُقرأ بالقلوب… قصص طلبة لا تمنعهم الصعوبات من الحلم، ولا تحدّهم الإعاقة عن بناء مسار يليق بهم، بل يدفعهم الإصرار لصناعة معنى مختلف للحياة في زوايا المدرسة التي تحتضنهم ومن بين هذه القصص، تبرز فئة الطلبة الصم، حيث لا تُقاس الجهود بالأصوات، بل تُقاس بالإنصات العميق للحاجات غير المنطوقة، وبالقدرة على قراءة الإنسان قبل الإعاقة، تتحوّل الإشارة إلى لغة حياة، للذين لا يُنظر إليهم كحالة تعليمية فحسب، بل كطاقات إنسانية تحمل إمكانات واسعة تستحق أن تُكتشف وتُرعى ، هنا يقف الاختصاصي الاجتماعي كجسرٍ إنساني يربط بين الطالب وأسرته ومدرسته ومجتمعه، ليصنع من التحديات مساراً ممكناً، ومن الاختلاف فرصة للنمو.
اقرا ايضا: التنمر الوظيفي … آفة خفية تهدد بيئة العمل
ففي مدرسة الأمل للصم، يتجلى العمل الاجتماعي كجسر حقيقي بين الطالب وذاته أولاً، وبين الطالب ومجتمعه ثانياً. فالاختصاصي الاجتماعي لا يقتصر دوره على التدخل عند وجود مشكلة، بل يمتد ليكون شريكاً في بناء المسار الحياتي للطالب، بدءاً من تعزيز ثقته بنفسه، مروراً بتمكينه من فهم حقوقه، وصولاً إلى ترسيخ مفهوم المسؤولية كجزء من هويته اليومية داخل المدرسة وخارجها. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الانتقال بالطلبة الصم من مرحلة تلقي الدعم إلى مرحلة التمكين، حيث يصبح الطالب شريكاً في صناعة مستقبله، لا متلقياً له فقط.
يتعامل الاختصاصي الاجتماعي في العمل اليومي، مع مجموعة من القضايا التي تمس حياة الطالب بشكل مباشر؛ مثل تعزيز التكيف الاجتماعي داخل البيئة المدرسية، ودعم مهارات التواصل مع الأقران، ومعالجة التحديات الأسرية التي قد تؤثر على الاستقرار النفسي والاجتماعي.
كما يتم التركيز على بناء مهارات الحياة اليومية التي تعزز الاستقلالية، وتدعم اندماج الطالب في الأنشطة المدرسية والمجتمعية دون عوائق.
إن الحديث عن المسار الوظيفي للطالب الأصم لا يبدأ عند التخرج، بل يبدأ منذ اللحظة الأولى التي يُمنح فيها الطالب فرصة أن يُعبّر، أن يختار، وأن يُشارك في اتخاذ القرار. وهنا يظهر الدور الاجتماعي في توجيه الطلبة نحو إدراك أن الحقوق ليست امتيازاً منفصلاً، بل هي أساس يُبنى عليه الالتزام بالواجبات. فكل حق يقابله دور، وكل فرصة تقابلها مسؤولية، وهذا التوازن هو ما يصنع شخصية قادرة على الاندماج في الحياة بشكل صحي ومستدام. ومن الجوانب المحورية كذلك، يعمل الاختصاصي الاجتماعي على رفع وعي الأسرة بدورها في دعم الأبناء الصم، ليس فقط من خلال الرعاية، بل عبر المشاركة الفاعلة في بناء مهاراتهم الاجتماعية، وتشجيعهم على التعبير عن احتياجاتهم وطموحاتهم، وتوفير بيئة داعمة تعزز ثقتهم بأنفسهم.
ومن أبرز التحديات الاجتماعية التي يتعامل معها الاختصاصي الاجتماعي هي الصورة النمطية عن الأشخاص الصم، والتي قد تحد من تطلعات الطالب أو تقلل من ثقته بقدرته على العمل والإنتاج. لذلك، يتم العمل على تغيير هذه المفاهيم عبر أنشطة تعزيزية، وبرامج دمج اجتماعي، وحوارات فردية وجماعية تُعيد تشكيل نظرة الطالب لنفسه أولاً، ثم نظرة المجتمع له لاحقاً.
كما أن بناء “حياة أفضل” لا يتحقق فقط من خلال المهارات الأكاديمية، بل من خلال مهارات اجتماعية مثل التواصل، حل المشكلات، اتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية. وهي مهارات تتم تنميتها تدريجياً عبر المواقف اليومية داخل المدرسة، بحيث يصبح الطالب قادراً على مواجهة الحياة بثقة واستقلالية.
وفي ظل التطورات الحديثة، أصبح التركيز يتجه نحو بناء مسارات وظيفية واجتماعية مستدامة للطلبة الصم، تقوم على تمكينهم من حقوقهم الأساسية، وتعزيز قدرتهم على أداء واجباتهم داخل المجتمع، بما يضمن لهم حياة أكثر استقراراً واندماجاً وفاعلية.
وفي هذا السياق، يصبح دور الأسرة مكملاً أساسياً للعمل الاجتماعي المدرسي، حيث يتم تمكين أولياء الأمور من فهم احتياجات أبنائهم الصم، وتعزيز مشاركتهم في بناء مستقبلهم، بما يضمن استمرارية الدعم خارج المدرسة.























