إعداد: هدير إبراهيم محمد عبد اللطيف ، ممارسة علاج بالموسيقى ، مركز الشارقة للتوحد، مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية
مقدمة
يُعدّ اضطراب طيف التوحد من أكثر الاضطرابات النمائية انتشاراً في العالم، إذ باتت أعداد الأطفال المشخّصين به تتصاعد باطّراد من عقد إلى آخر. وتكشف الإحصاءات العالمية أن نحو طفل واحد من كل مئة يُولد حاملاً هذا التشخيص، في حين ترصد بعض الدراسات الأمريكية معدلات أعلى من ذلك بكثير. وعلى الرغم مما بذله الباحثون وأولياء الأمور والمختصون من جهود مضنية بحثاً عن تدخلات فعّالة، لا يزال هذا المجال يفتقر إلى خيارات علاجية واسعة الأثر، واضحة الأدلة، وسهلة التطبيق.
اقرا ايضا: السفر مع أطفالنا من ذوي اضطراب طيف التوحد رحلة عائلية استثنائية نحو المتعة والاكتشاف
في هذا السياق، تبرز الموسيقى بوصفها لغةً إنسانية كونية تتخطى حواجز الكلمات وتلمس أعماق الوجدان. ولطالما لاحظ المعالجون والآباء على حدٍّ سواء أن كثيراً من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يستجيبون للموسيقى بطريقة لافتة ومختلفة عن استجابتهم لسائر المحفزات. ومن هنا نشأت فكرة توظيف هذه الاستجابة الفطرية في سياق علاجي منظّم يُعرف بـ«العلاج بالموسيقى».
وفي عام 2025، نشرت مجلة Frontiers in Psychiatry — إحدى أرفع المجلات العلمية الدولية المحكّمة في مجال الطب النفسي — دراسةً شاملةً تستعرض أدلة التجارب العشوائية المضبوطة حول فاعلية العلاج بالموسيقى في تحسين الأعراض السلوكية لدى الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد. وفيما يلي قراءة موجزة ومتكاملة لأبرز ما توصلت إليه هذه الدراسة.
ما هو العلاج بالموسيقى؟
العلاج بالموسيقى تدخّلٌ علاجي منظّم يُوظّف الموسيقى بوصفها أداةً لتحقيق أهداف علاجية محددة، لا مجرد نشاط ترفيهي أو تعليمي عارض. يقوده معالج موسيقي مؤهّل يصمّم برامج مخصوصة تناسب احتياجات كل طفل، وتتنوع أساليبه بين الارتجال الموسيقي التفاعلي، والغناء، وعزف الآلات الموسيقية، والاستماع النشط المصحوب بأنشطة إدراكية هادفة.
وتكمن قوة هذا العلاج في أنه يستثمر نقطة قوة موجودة أصلاً لدى كثير من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد؛ فالأبحاث تُشير إلى أن هؤلاء الأطفال يُفضّلون في الغالب المحفزات الموسيقية على المحفزات اللفظية، ويُبدون استجابات عاطفية عميقة تجاه الموسيقى حتى حين يتعذّر عليهم فهم اللغة الكلامية أو التفاعل معها. وبذلك تُصبح الموسيقى جسراً طبيعياً يُوصل المعالج بالطفل في منطقة مريحة ومألوفة.
عن الدراسة: المنهجية والأهداف
أجرت الدراسة مراجعةً منهجيةً وتحليلاً تلوياً شاملاً، إذ بحثت في خمس قواعد بيانات طبية دولية كبرى — هي: PubMed وWeb of Science ومكتبة Cochrane وSinoMed وEmbase — منذ نشأتها وحتى سبتمبر 2024. وقد رصدت الدراسة في البداية 2607 سجلات بحثية، انتقت منها في نهاية المطاف 13 تجربة عشوائية مضبوطة استوفت شروط الجودة المنهجية، وضمّت مجتمعةً 1160 طفلاً مشخّصاً باضطراب طيف التوحد.
وقد اعتمدت الدراسة مقاييس سلوكية موحّدة ومعترفاً بها دولياً لتقييم الأثر العلاجي، أبرزها: قائمة السلوكيات الشاذة (ABC)، وقائمة تقييم “علاج التوحد” (ATEC)، ومقياس تصنيف “التوحد” في مرحلة الطفولة (CARS)، وكلها أدوات تقيس شدة الأعراض السلوكية وتحوّلاتها عبر الزمن.
أبرز النتائج
خلص التحليل التلوي إلى أن الأطفال الذين تلقّوا العلاج بالموسيقى أظهروا تحسّناً سلوكياً جوهرياً ودالاً إحصائياً مقارنةً بأقرانهم في المجموعات الضابطة، وذلك بفرق معياري موحد قدره -0.66 وبمستوى دلالة إحصائية بالغ الدقة (p < 0.001). ويُعدّ هذا الحجم من الأثر معتدلاً إلى قويّ وفق معايير التحليل التلوي، مما يعني أن التحسّن الملاحظ ليس مصادفةً إحصائية بل نتيجة فعلية قابلة للاعتماد.
الأطفال الذين تلقّوا العلاج بالموسيقى أظهروا تحسّناً سلوكياً ملموساً امتدّ إلى حياتهم اليومية خارج جلسات العلاج
وتشعّبت التحسينات لتشمل جوانب متعددة: انخفضت السلوكيات الغريبة المقاسة بقائمة ABC، وتراجعت حدة أعراض اطراب طيف التوحد الكلية وفق مقياس CARS، وتحسّنت مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي والجوانب الحسية والسلوكية التي يرصدها مقياس ATEC. وقد لاحظ الآباء هذه التحسينات بصورة أوضح من المعلمين أو المعالجين المباشرين، مما يوحي بأن الأثر الإيجابي لا يقتصر على بيئة الجلسة العلاجية بل يمتد إلى الحياة اليومية.
وكشفت التحليلات الفرعية أن التدخلات الممتدة اثني عشر أسبوعاً أو أكثر تُفضي إلى نتائج أفضل من التدخلات الأقصر، وأن الجلسات المتكررة ثلاث مرات أسبوعياً أو أكثر تُحقق أثراً أوضح، كما أن العلاج التفاعلي القائم على الارتجال الحي أثبت تفوّقاً على الاستماع السلبي للموسيقى.
لماذا تنجح الموسيقى مع الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد؟
تطرح الدراسة عدة تفسيرات علمية لهذه الفاعلية المُثبتة؛ فالأنشطة الموسيقية تُنشّط منظومة الخلايا العصبية المرآتية في الدماغ، وهي المنظومة التي تمكّن الإنسان من فهم نوايا الآخرين ومشاعرهم وتقليد سلوكياتهم، وهي بالضبط المجال الذي يواجه فيه أطفال اضطراب طيف التوحد قصوراً ملحوظاً. فضلاً عن ذلك، تتشارك الموسيقى واللغة في شبكات عصبية متداخلة، مما يجعل التدريب الإيقاعي واللحني مساراً فعّالاً لتحسين الاستيعاب اللغوي والإنتاج الكلامي.
وعلى صعيد الكيمياء الحيوية، تُحفّز الموسيقى إطلاق هرمونات السعادة والارتباط كالأوكسيتوسين والدوبامين، مما يُقلل من مستويات القلق ويُعزز الميل نحو التفاعل الاجتماعي. كما أن الإيقاع الموسيقي المنتظم يُساعد على تنظيم الجهاز العصبي وتهدئة حالات الإثارة الحسية المفرطة التي تُغذّي كثيراً من السلوكيات النمطية المتكررة. وأخيراً وليس آخراً، فإن الموسيقى ببساطة تستهوي هؤلاء الأطفال وتُشركهم بدلاً من مقاومتهم، مما يجعل الجلسة العلاجية تجربةً ممتعة لا مصدر قلق.
العلاج بالموسيقى مقارنةً بالتدخلات الأخرى
تستعرض الدراسة التدخلات التقليدية المستخدمة مع الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد كالتحليل السلوكي التطبيقي والعلاج المعرفي السلوكي والتكامل الحسي والعلاج الدوائي، مُشيرةً إلى أنها وإن أثبتت بعض الفائدة في حالات بعينها، إلا أنها تستلزم في الغالب مدداً علاجية أطول وأعباءً أكبر، كما أن فاعليتها تتباين تبايناً ملحوظاً من طفل إلى آخر نظراً للاختلافات الجوهرية داخل طيف التوحد.
في المقابل، يتميز العلاج بالموسيقى بأنه غير دوائي وغير جراحي وخالٍ من الآثار الجانبية، ويمكن تطبيقه في بيئات متنوعة — المدارس والعيادات والمنازل — وبتكلفة معقولة نسبياً. كما أنه قابل للتخصيص بحسب تفضيلات كل طفل وقدراته الموسيقية، مما يجعله خياراً ملائماً لطيف واسع من الحالات بدرجات متفاوتة من شدة الأعراض.
تحفظات الدراسة وحدودها
تتحلّى الدراسة بالمصداقية العلمية إذ تُقرّ صراحةً بحدودها المنهجية. فالتفاوت الملحوظ بين الدراسات المُدرجة مرتفع نسبياً
(I² = 78%)، وهو ما يعني أن النتائج تجمع تجارب مختلفة في أساليبها وعيناتها وأدواتها القياسية، مما يُقيّد قدرة التعميم
المطلق. كذلك تفتقر معظم الدراسات إلى فترات متابعة طويلة تكشف عما إذا كانت التحسينات تدوم بعد انتهاء التدخل العلاجي.
وتدعو الدراسة بوضوح إلى إجراء تجارب عشوائية مضبوطة مستقبلية ذات جودة منهجية أعلى وعينات أكبر وبروتوكولات موحّدة، من أجل ترسيخ هذه النتائج الواعدة وتحديد الجرعة المثلى من العلاج الموسيقي من حيث الأسلوب والمدة والتكرار.
خلاصة القول
تُقدّم هذه الدراسة دليلاً علمياً موثّقاً على أن العلاج بالموسيقى ليس مجرد فكرة لطيفة أو نشاط ترفيهي هامشي، بل هو تدخّل علاجي له أساس بحثي متين وأثر ملموس على سلوكيات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. وهذا لا يعني بالضرورة أنه يحلّ محل التدخلات الأخرى، لكنه يستحق بقوة أن يُدمج معها ضمن خطط علاجية شاملة تنطلق من نقاط قوة الطفل لا من نقاط ضعفه فحسب.
إن في الموسيقى شيئاً يصل إلى حيث تعجز الكلمات أن تصل. وربما كان في هذا وحده دليلٌ كافٍ على أنها تستحق مكاناً في عالم العلاج والرعاية.
المصدر:
Gao, X., Xu, G., Fu, N., Ben, Q., Wang, L., & Bu, X. (2025). The effectiveness of music therapy in improving behavioral symptoms among children with autism spectrum disorders: A systematic review and meta-analysis. Frontiers in Psychiatry, 15, Article 1511920. https://doi.org/10.3389/fpsyt.2024.1511920
























