بقلم د. روحي عبدات
حين لا تكفي الكلمات لوصف الإنسان
في السنوات الأخيرة، بدأ يتغير حديثنا عن الإعاقة بشكل ملحوظ، ليس فقط على مستوى المختصين، بل أيضاً في المجتمع بشكل عام. لم يعد الأمر يقتصر على وصف الحالة أو تصنيفها، بل أصبح أقرب إلى فهم الإنسان بكل ما يحمله من قدرات واحتياجات وتجارب مختلفة. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكم معرفي وإنساني طويل، ساهمت فيه التجارب الواقعية للأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب التطورات العلمية والتشريعية العالمية. ومن بين المصطلحات التي بدأ يعاد النظر فيها، يأتي مصطلح “الإعاقة الشديدة”، الذي كان شائعاً لفترة طويلة، لكنه لم يعد يعكس الصورة الكاملة كما كنا نعتقد.
اقرا ايضا: الإعاقات الشديدة: المفهوم، الخصائص، وسبل الدعم
عند سماع هذا المصطلح، قد يتبادر إلى الذهن تصور محدد وثابت: شخص لديه قدرات محدودة جداً، ويعتمد بشكل كامل على الآخرين في مختلف جوانب حياته. هذا التصور، رغم أنه قد ينطبق جزئياً في بعض الحالات، إلا أنه لا يعكس حقيقة التجربة الإنسانية المعقدة والمتنوعة. فالأشخاص ذوو الإعاقة ليسوا فئة متجانسة، بل هم أفراد لكل منهم قدراته الخاصة، واهتماماته، وطرق تعامله مع الحياة. فقد يحتاج أحدهم دعماً كبيراً في جانب معين، مثل التواصل أو التعلم، لكنه في الوقت نفسه يتمتع بقدرات عالية في مجالات أخرى، كاستخدام التكنولوجيا، أو المهارات الحياتية اليومية، أو حتى الإبداع الفني. هذا التباين داخل الشخص الواحد يجعل من الصعب، بل ومن غير العادل أحياناً، اختزال الإنسان في كلمة واحدة مثل “شديد”.
لقد ساهمت التطورات الحديثة في فهم الإعاقة، خاصة من خلال ما قدمته منظمة الصحة العالمية، في إعادة تشكيل هذا المفهوم بشكل جذري. فوفقاً للنموذج الحديث، لم يعد فهم الإعاقة كصفة ثابتة في الشخص، بل كنتيجة للتفاعل بينه وبين البيئة المحيطة به. بمعنى آخر، قد يبدو الشخص أكثر اعتماداً في بيئة غير مهيأة، تفتقر إلى التسهيلات أو التفهم، بينما يصبح أكثر استقلالية وثقة عندما تتوفر له بيئة داعمة، توفر له إمكانية الوصول، وتراعي احتياجاته، وتمنحه الفرصة ليشارك. هنا، يتضح أن ما كنا نسميه “شدة الإعاقة” ليس دائماً صفة في الشخص نفسه، بل انعكاس لمدى جاهزية المجتمع لاحتوائه.
من شدة الإعاقة إلى مستوى الدعم اللازم
ومن هذا المنطلق، بدأ العالم يتجه تدريجياً نحو استخدام لغة مختلفة، لغة أكثر دقة وإنسانية، تركز على “مستوى الدعم” بدلاً من “درجة الإعاقة”. هذا التغيير قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل في داخله تحولاً عميقاً في طريقة التفكير. بدلاً من أن نسأل: ما مدى شدة الإعاقة؟، أصبح السؤال: ما الذي يحتاجه هذا الشخص ليعيش بشكل أفضل؟. هذا التحول لا يغير فقط طريقة وصفنا للأشخاص، بل يغير أيضاً طريقة تصميم الخدمات، وتقديم الدعم، وبناء السياسات. فهو يدفعنا للنظر إلى الإنسان كفرد له احتياجات خاصة، وليس كحالة يتم تصنيفها ضمن درجات ثابتة.
وفي هذا السياق، تلعب اللغة دوراً أكبر مما قد نتصور. فالكلمات التي نستخدمها لا تقتصر على الوصف، بل تحمل في طياتها معاني وتوقعات تؤثر على طريقة تعاملنا مع الآخرين. عندما نصف شخصاً بأنه “شديد الإعاقة”، قد يؤدي ذلك، دون قصد، إلى خفض سقف التوقعات منه، أو إلى افتراض محدودية قدرته قبل أن يُمنح الفرصة ليظهر إمكانياته. وقد ينعكس ذلك على قرارات تتعلق بتعليمه، أو فرص عمله، أو حتى مشاركته في المجتمع. وهذا ما يتعارض مع المبادئ التي تؤكد عليها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والتي تنادي بتمكين الأفراد، وضمان مشاركتهم الكاملة، وتوفير فرص متكافئة لهم في مختلف مجالات الحياة.
كما أن استخدام هذا المصطلح قد يؤثر على الأسر أيضاً. فحين يُقال لولي الأمر إن طفله لديه “إعاقة شديدة”، قد يشعر بالقلق أو الإحباط، وقد يبني تصوراً مسبقاً عن مستقبل طفله، بحيث يحد من طموحاته وتوقعاته. بينما في الواقع، قد يكون الطفل قادراً على تحقيق تقدم كبير إذا ما توفر له الدعم المناسب والتدخل المبكر والبيئة المشجعة. لذلك، فإن اختيار الكلمات بعناية ليس مجرد مسألة لغوية، بل هو جزء من الدعم النفسي والاجتماعي الذي يحتاجه كل من الشخص وأسرته.
ومن جانب آخر، بدأت أصوات الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم تلعب دوراً محورياً في هذا التغيير. كثير منهم يرفضون أن يتم تصنيفهم وفق مصطلحات مثل “شديد” أو “خفيف”، لأن هذه التصنيفات لا تعكس تجاربهم اليومية. فهم يعيشون مواقف مختلفة، قد يكونون فيها بحاجة إلى دعم كبير في بعض الأوقات، بينما يظهرون استقلالية ومرونة في أوقات أخرى. هذه الطبيعة المتغيرة للقدرات والاحتياجات لا يمكن حصرها في تصنيف ثابت، بل تحتاج إلى فهم مرن ومتجدد.
من التصنيف إلى الفهم: كيف نستخدم لغة أكثر دقة وإنسانية؟
مع هذا التحول في الفهم، برزت الحاجة إلى بدائل لغوية تعكس هذا التوجه بشكل عملي. ومن أكثر التعبيرات استخداماً اليوم، القول إن الشخص “يحتاج إلى مستوى دعم كبير” أو “دعم جوهري” substantial support. هذا التعبير يغيّر زاوية النظر بالكامل، فهو لا يصف الشخص بما ينقصه، بل يحدد ما يحتاجه. كما أنه يفتح المجال للتغير، إذ إن مستوى الدعم قد يختلف مع الوقت أو حسب البيئة.
لكن الأهم من ذلك، أن هذه اللغة ليست ثابتة، بل تتكيف مع السياق. ففي المجال التعليمي، قد نقول إن الطالب )يحتاج إلى دعم تعليمي مكثف( أو )تدخلات متخصصة(، وهو ما يساعد المعلمين على فهم طبيعة الدعم المطلوب داخل الصف. أما في المجال الصحي أو التقييمي، فقد يُستخدم تعبير )احتياجات وظيفية مرتفعة( أو )صعوبات كبيرة في بعض مجالات الأداء اليومي(، مع توضيح هذه المجالات بشكل أدق، مثل التواصل أو الحركة أو الاستقلالية.
وفي سياق السياسات والخدمات، قد يكون من الأنسب استخدام عبارات مثل )أفراد بحاجة إلى دعم مستمر( أو )فئة تتطلب خدمات مكثفة وطويلة الأمد(، وهو ما يساعد صناع القرار على تخطيط الموارد بشكل أكثر واقعية. أما في الخطاب الموجه للمجتمع، وخاصة للأسر، فإن استخدام لغة بسيطة وإنسانية مثل )يحتاج إلى دعم كبير) في بعض جوانب حياته قد يكون أكثر قرباً وتأثيراً.
هذا التنوع في اللغة ليس تعقيداً، بل هو انعكاس لفهم أعمق وأكثر احتراماً للتجربة الإنسانية. فهو يتيح لنا أن نكون أكثر دقة في الوصف، وأكثر عدلاً في التوقعات، وأكثر فاعلية في تقديم الدعم.
ولا يعني هذا التحول التقليل من التحديات التي قد يواجهها بعض الأشخاص، خاصة أولئك الذين يحتاجون إلى دعم مكثف ومستمر. بل على العكس، هو اعتراف بهذه التحديات، ولكن بطريقة أكثر إنصافاً. فعندما نركز على الدعم، فإننا نركز على الحل، وعلى الإمكانات، وعلى ما يمكن أن يتحقق.
وخلاصة القول، فإن إعادة النظر في مصطلح “الإعاقة الشديدة” ليست مجرد مسألة لغوية، بل هي انعكاس لتحول أعمق في طريقة فهمنا للإنسان. فالكلمات التي نستخدمها تشكل نظرتنا، وتؤثر في قراراتنا، وقد تفتح أبواباً أو تغلقها.
وعندما ننتقل من تصنيف الأشخاص إلى فهم احتياجاتهم، فإننا نخطو خطوة حقيقية نحو مجتمع أكثر شمولاً وعدلاً. مجتمع يرى في كل إنسان قدراته، ويؤمن بأن الدعم المناسب يمكن أن يصنع فرقاً كبيراً، ليس فقط في حياة الفرد، بل في تماسك المجتمع ككل.
























