اسم الكاتبة: فاطمة محمد قطيط
حِينَمَا قَالَ لِي تِلْكَ الكَلِمَة، كأنَّ حُروفها تَسَاقَطَتْ فِي مُخَيِّلَتي رُوَيْداً رُوَيْداً، رَافِضَة العَوْدَة حَيْثُ كَانَتْ، فَتَرَسَّبَتْ ثُمَّ انْتَصَبَتْ فِي زَوَايا عَقْلي وَكَأَنَّهَا تَتَحَدَّى بي شَيئاً مَجْهُولاً لَمْ أُدْرِكْهُ بَعْدْ، فِي ذَلِكَ الوَقْت، لَمْ أَفْعَلْ شيئاً، لَكِنَّني ابْتَسَمْتُ مِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِي، وَكَانَتْ إِجابَتي مَرْسومَة بِرَضىً لا نِهَايَةَ لَهْ؛ لِأَنَّني أَعْلَمُ بِصُعوبَةِ الطَّريق الَّذي مَرَرْتُ فيه وَحْدي، فَمَا كَانَ مَسِيرُه إِلَّا كَشَخْص تَعَوَّدَ أَنْ يَعْبُرَ عَلى زُجاجٍ مَكْسور مَليء بِالشَّوَائِبْ وَالعَوَاقِبْ دُونَ أَنْ يَتَأَلَّمْ، فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَحَمَّلَ السَّيْر فِي ذَلِكَ الطَّريق سِوايْ.

حِينَمَا ابْتَسَمْتُ مَرَةً أُخْرى، أَدْرَكْتُ الكَثير، لِأَنَّني أَعْلَم أَنَّني لَمْ أَنْتَظِرْ يَوْماً دَعْوَة مِنَ الحَظ لِيَطْرُق بَابي، بَلْ كُنْتُ أَنَا فِي كُلِّ مَرَةٍ أَتَجَرَأُ فِيها عَلَى طَرْقِ كُلّ الأَبْواب وَاحِداً تِلْوَ الآخَرْ، حَتَّى تِلْكَ الَّتي كُتِبَ عَلَيْها بِلَوْنٍ أَحْمَر (مُغْلَقَة حَالِياً) انْتَظَرْتُها حَتَّى أَذِنَ اللهُ لَهَا وَحَانَ وَقْتُها، وَفُتِحَتْ خِصيصاً لِي.
أَتَساءلُ فِي نَفْسِي وَأَبْقَى عَلى ذَاتِ الحِيرَة: مَا هُوَ الحَظْ!
مَا هِيَ تِلْكَ الصُّدْفَة الَّتي يَنْتَظِرُهَا البَعْض كَسُقوطِ نَجْمٍ بَديعٍ مِنَ السَّماءِ ليلتقطوه ويخبئوه تَحْتَ الوِسَادَة! أَينْسَبُ لِلْحَظِّ النَّجَاح حِينَ يَنْدَهِشُ النَّاسُ مِنْ قَفْزَةٍ غَيْر مُتَوَقَّعة! أَمْ يَحْمِلُ وِزْرَ الفَشَل حِينَ نَعْجَزُ عَن تَفْسير الخَيْبة! أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الحَظَّ فِي حَقيقَتِه مَا هُوَ إِلَّا عُذْر الكسالى لا مِقْياس لِلْناجِحين!أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الحَظ لَيْسَ إِلَّا أَنْتَ حِينَمَا تَنْهَضُ بَعْدَ الهَزِيمَة! وَتُعيد تَرْتِيب نَفْسك فَتَطْرُقُ باب الحَياة مِنْ جَديد! وَإِنْ لَمْ تَفْتَحْهُ لَك تَطْرُقُهُ مَرَّةً أُخْرى وَكَأَنَّكَ تَتَحَدَّى الظُّروف بِمَا فِيها مِنَ الوَعِيدْ؛ لِأَنَّكَ تَعْلَمُ جَيِّداً أَنَّ لَا مُسْتَحِيلَ مَعَ رَبٍّ عَظِيمْ!
أَلا يَعْلَمون أَنَّ الحَظ لا يَطْرُقُ أَبْوابَ الجَّميع، لَكِنَّهُ لا يتجاهلها أَيْضاً! وَأَنَّ مَا ذَهَبَ لِخَيْرٍ وَمَا عَادَ لَنا فَلَمْ يَعُدْ إِلَّا لِأَنَّهُ مِنْ نَصيبنا! أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ مَا يَرونَهُ حَظاً بِنَظَرِهِمْ هُوَ بِنَظَرنا لا وُجودَ لَه أَمَامَ اخْتِيارات الله لِدُروبنا!
قلْ لي:
كَيْفَ يُتَرْجَم الحَظّ لِيَكونَ مَوْقِعاً حَصْرِياً لِمَصيرِ إِنْسانٍ تَرَعْرَعَ فِي أَرْضٍ لَا تُنَاسِبُه!
وَكَيْفَ يَكُون الحَظّ بِمَثابَةِ إِنْسانٍ لا سَبيلَ لَهْ إِلَّا نَحْوَ قِمَّة أَبَدِيَّة يَقَعُ مِنْها وَلَوْ بَعْدَ حِين !
وَكَيْفَ لِهَذِهِ الكَلِمَة أَنْ تُتْعِب قَلب الإِنْسانْ لِهَذِه الدَّرَجَة؟ لِدَرَجَة أَنْ يَأْكُلَ التَّفْكيرعَقْله!
نَعَمْ، مِنَ المُمْكِن أَنَّهُمْ قَالوا لَا حَظَّ لَكِ، وَمِنَ المُمْكِن أَنَّهُمْ يُؤْمِنونَ بِهَذِهِ الكَلِمَة لِدَرَجةِ التَّمَسُكِ بِها وتكرارها عَلى مَسَامِعك مَرّة ثَانِية وَثَالِثة ثَابِتة، لَكِنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدوا مَا وَراء الكَواليس، وَلَمْ يُدْرِكوا الكَوابيس الَّتي رَأَيْنَاها عَنْ قُرْب، لَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَ القَلْب وَهُوَ يَخْفُقُ يُوَدُّ لِلْحَظِّ أَنْ يَزُورَهُ مَرَّةً، فَلا يَتَوَقَّفُ القَلْب عَنِ الخَفْقان مرةً، وَلَا يَزُورهُ الحَظّ وَهْلَةً، فَيُحَاوِل الإِنسانُ جَاهِداً أَنْ يَنْهَضَ مِنْ تَحْتِ الرَّمادِ فِي كُلِّ لَحظةٍ وَحينْ، حَتَّى أَدْرَكْتُ وَأَخِيراً أَنَّ الحَظَّ فِي حَقِيقَتِه لَيْسَ أَكْثَر مِنْ نَظْرَةِ النَّاس إلى إِنْجازاتِنا حِينَ لَا يَعْلَمونَ كَمْ دَمْعَة ذُرِفَت في الخَفاءِ، وَكَمْ خُطْوَة عَرْقَلَت طَرِيقنا الطَّويل، وَكَمْ أَخْفَقْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا فِي النِّهايَة لَا نَشْعُرُ بِشَيءٍ فِي قَلْبِنا، وَلَكِن فِي النِّهايَة كَانَ ربُنا شَاهِداً عَلى مُحاوَلَاتنا أَجْمَعها.
لَمْ تَكُنْ المُحَاوَلَة مَرَّةً وَاحِدَة بَلْ مرّات ومرّات…
فَعَبَثاً يَقُولونَ لا حَظَّ لكِ، الحَظُّ لَيْسَ بِالنَّجاح، لأَنَّ النَّجاح الحَقيقي أَنْ تُدْرِك فِي واحِدة مِنَ الدَّقائِق أَنَّ لا وُجودَ لِلْحَظ، وَإِنَّمَا هِيَ مَشِيئَة الله، وَقَدَرٌ مِنَ الله، أَنْ يَتَّكِئ الإِنْسان فِي هَذِهِ الحَياة عَلى أَقْدارِ اللهِ المَكْتوبَة لَهْ، وَيَنْعَم فِي تَقَبُلِها، وَالحَمْدُ عَلَيْهَا، فَإِنْ رَضَيْتَ يَا إِنْسان مَا كُتِبَ لَكْ! أَرْضاك رَبُّ العَرْشِ العَظيم بِشَيْءٍ سَيُدْهِشُكَ وَلَوْ بَعَدَ حِينْ.
فَحِينَ قال لِي: لا حَظَّ لَكِ!
(انْبَثَقَ ضُوء مِنْ عُمْقِ الظَّلام، وابْتَسَمْتُ مِنْ داخِلِ الأَعْماق؛ لِأَنَّني كُنْتُ عَلى عِلْمٍ أَنَّ لَا وُجُودَ لِلْحَظِّ وَلَوْ عَلى بُعْدِ أَمْيال، بَلْ كَانَ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ إِرادَةِ اللهِ وَمُرادِهِ وَقَدَرِه)
























