إعداد شيماء عبد الله الحوسني- رئيس هيئة التمريض في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية
السلوكيات التحدّية لدى الأطفال والمراهقين ذوي الإعاقة نحو إطار تفسيرِي تكاملي يفرق بين الألم الجسدي والتعبير الانفعالي غير اللفظي.
الملخص
الخطاب السريري التقليدي يثير افتراض أن السلوكيات التحدّية عند الأطفال والمراهقين ذوي الإعاقة تعكس ألماً جسمانياً غير مُعَبَّرٍ عنه لفظياً. لكن الأدلة الحديثة في مجالات الصحة النفسية وطب الأطفال وعلوم السلوك تشير إلى أن تفسيراً أحادي الجانب قد يغفل المرتكزات الانفعالية والتواصلية والسياقية للسلوك. تهدف هذه المراجعة إلى إعادة تأطير علاقة السلوك بالألم ضمن نموذج متعدد الأبعاد، مع إبراز الدور المحوري للأسرة والمراكز التأهيلية في عملية التقييم والتدخل.
الكلمات المفتاحية: السلوكيات التحدّية، الإعاقة النمائية، تقييم الألم، التنظيم الانفعالي، الأسرة، المراكز التأهيلية
المقدمة
تمثل السلوكيات التحدّية—ومنها العدوانية، إيذاء النفس، الانفجارات الانفعالية، والانعزال الاجتماعي— محوراً رئيسياً في العمل مع الأطفال والمراهقين ذوي الإعاقة. غالباً ما يُفترض أن هذه السلوكيات تعكس ألماً جسدياً غير مُفسَّر، خاصة مع محدودية القدرة على الإبلاغ اللفظي. غير أن التفسير الأحادي للسلوك في إطار الألم الجسدي قد يقلل من طبيعة الظاهرة متعددة العوامل، بما يتعارض مع الاتجاهات الحديثة في الرعاية المتمركزة حول الشخص (WHO, 2022).
السلوك والألم: تحليل مفاهيمي وسريري معمّق
- الألم كمفسر محتمل وليس افتراضياً
تشير الأدلة إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة قد يواجهون صعوبات في التعبير عن الألم مما يجعل الاستكشاف السلوكي أداة تقييم مهمة (Carter et al., 2021). إلا أن المؤشرات السلوكية—مثل التهيج واضطرابات النوم وارتفاع وتيرة العدوان—ليست مؤشراً حاسماً على الألم إذ يمكن أن تعكس قلقاً أو إجهاداً حسياً أو ضغوطاً بيئية.
وبناءً عليه فإن افتراض الألم كمسبب افتراضي لكل سلوك تحدّي قد يؤدي إلى:
– فحوصات طبية مفرطة وغير ضرورية
– تدخلات دوائية دون معالجة الجذور النفسية
– إهمال التحليل الوظيفي للسلوك
- التداخل بين الألم والضيق الانفعالي
من منظور عصبي-نفسي يتداخل الألم الجسدي والضيق الانفعالي في دوائر عصبية مشتركة تتعلق بتنظيم الاستثارة والانتباه وبذلك قد تبدو الاستجابات السلوكية مشابهة في حالات مختلفة. هذا التداخل يستدعي تقييماً دقيقاً يجمع بين المؤشرات الجسدية والانفعالية بدل الاعتماد على قراءات سلوكية سطحية.
- السلوك كاستجابة تكيفية
تؤيد الأدبيات الحديثة مفهوم أن السلوكيات التحدّية قد تمثل استجابات تكيفية لمحاولات تنظيم داخلي، سواء على الصعيد الحسي أو الانفعالي أو الاجتماعي (Bottini et al., 2020). وعندما تفتقر القدرة على التعبير أو وجود وسائط تواصل بديلة يصبح السلوك الأكثر فاعلية وإن ظل غير تكيفي في التعبير عن الحاجة.
التنظيم الانفعالي كمتغير وسيط
يرتبط ضعف التنظيم الانفعالي بظهور السلوكيات التحدّية لا سيما بين الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد (Mazefsky & White, 2021). فالطفل غير القادر على تسمية مشاعره أو ضبطها قد يظهر تصعيداً سلوكياً يعكس فرط استثارة داخلي. وبدون دعم بيئي منظم يتحول السلوك إلى أداة تعبير رئيسة. وتُشير الدراسات إلى أن التدخلات التي تركز على تنمية مهارات التنظيم الانفعالي تكون أكثر استدامة من التدخلات العقابية أو العرضية.
دور الأسرة في التقييم والتدخل
تشكّل الأسرة السياق الأولي والأكثر ثباتاً في حياة الطفل مما يمنحها موقعا محوريّاً في تفسير السّلوك ويشمل دورها تقديم معلومات تاريخيّة دقيقة حول أنماط السّلوك وتغيّرها:
– ملاحظة المؤشرات الجسدية المرتبطة بالألم المحتمل – دعم تطبيق استراتيجيات التنظيم الانفعالي في بيئة المنزل – المشاركة في خطط التدخل السلوكي الإيجابي. كما أن تدريب الوالدين على مبادئ التحليل الوظيفي يقلل من التفسيرات المتسرعة، ويعزز استجابات أكثر اتساقاً وفعالية. وتؤكد هذه النقاط أهمية التدخلات الأسرية المَبنية على الأدلة. وفي سياق دور المراكز التأهيلية والمؤسسات المتخصصة، تؤدي المراكز التأهيلية دوراً تكاملياً في:
- إجراء تقييمات لادارة السلوك ( دعم السلوك الإيجابي PBS)
- تنسيق الجهود بين الأسرة والمدرسة والفريق الطبي، ويُعَد التكامل بين هذه الجهات شرطاً أساسياً لضمان دقة التقييم والحد من الإفراط في التفسير الطبي للسلوك.
نحو نموذج تفسيرِي تكاملي استنادًا إلى الأدلة، يُقترح إطار تفسيرِي متعدد المستويات يضم:
- المستوى الطبي: استبعاد الأسباب العضوية بشكل منهجي
- المستوى النفسي: تقييم التنظيم الانفعالي والضغوط الداخلية
- المستوى السلوكي: تحليل الوظيفة البيئية للسلوك
- المستوى الأسري والمؤسسي: ضمان الاتساق في الاستجابة والتدخل يعزز هذا الإطار التحول من السؤال: “هل هذا السلوك ناتج عن ألم؟” إلى سؤال أعمق: “ما الذي يحاول الطفل التعبير عنه من خلال هذا السلوك؟” محددات الدراسة وتوجهات مستقبلية تفترض هذه المراجعة تحليلًا نوعياً للأدلة، ما يحد من قدرتها على استنتاجات سببية مباشرة.
كما أن التباين في أدوات تقييم الألم والتنظيم الانفعالي بين الدراسات قد يؤثر في اتساق النتائج. وتستلزم المستقبلات: تطوير أدوات تقييم تفريقية أكثر دقة وإجراء دراسات طولية تربط التنظيم الانفعالي بالسلوك عبر الزمن. “دراسة أثر التدخلات الأسرية والمؤسسية المتكاملة في تقليل السلوكيات التحدّية”.
الخاتمة
إن اختزال السلوكيات التحدّية في إطار الألم الجسدي يمثل تبسيطاً مفرطاً لظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد. فالسلوك لدى الأطفال والمراهقين ذوي الإعاقة غالباً ما يعكس تعبيراً غير لفظي عن احتياجات انفعالية أو تواصلية أو ضغوط بيئية. ويُعد التكامل بين الأسرة والمراكز التأهيلية ضمن إطار تفسيرِي متعدد المستويات حجر الأساس في تعزيز دقة التقييم وفعالية التدخل، مع الحفاظ على كرامة الطفل.
المراجع
- Alzrayer, N., & Banda, D. R. (2022). Augmentative and alternative communication interventions for individuals with developmental disabilities: A systematic review. Research in Developmental Disabilities, 124, 104200.
- Bottini, S., Dall’Aglio, A., & Cioni, G. (2020). Challenging behaviors in children with neurodevelopmental disorders: Functional assessment and intervention. Frontiers in Psychology, 11, 233.
- Carter, B., McArthur, E., & Cunliffe, M. (2021). Assessing pain in children with intellectual disabilities: A clinical review. The Lancet Child & Adolescent Health, 5(6), 447–456.
- Mazefsky, C. A., & White, S. W. (2021). Emotion regulation and challenging behaviors in autism spectrum disorder: A systematic review. Autism Research, 14(8), 1607–1623.
- World Health Organization. (2022). Global report on health equity for persons with disabilities. World Health Organization.























