لا شك أن الطب النفسي هو أكثر الفروع الطبية تأزماً مقارنة بالاختصاصات الطبية الأخرى.
ورغم عدم ارتياح الطب النفسي العام لمصطلح عقلي ولكن استعماله لوصف الخدمات والاضطرابات الطبنفسية هو المصطلح المقبول في معظم بلاد العالم هذه الأيام.
عندما يقول الطبيب النفسي لمستشيريه بأن يعاني من اضطراب طيف التوحد أو الثناقطبي أو الوسواس القهري فان ما يفهمه المريض مباشرة هو اصابته باضطراب نفسي جسيم.
إن استعمال هذا المصطلح يفتقر إلى الشفافية في الاتصال بين الطبيب ومريضه لان ما يعنيه الطبيب غير ما يفهمه المريض.
وقد يسهب الطبيب في شرح ما يعنيه ولكن المريض حين يخرج من عيادة الطبيب لا يوجد إلا مصطلح واحد في ذهنه وهو التشخيص الطبنفسي الذي توصل إليه الطبيب لنفسي.
التشخيص الطبنفسي عملية دقيقة تشمل:
- وجود أعراض طبنفسية سريرية مؤكدة تتجاوز عتبة معينة.
- جمع الأعراض الطبنفسية للوصول إلى تشخيص طبنفسي.
مفهوم الطيف لا يختلف عن مفهوم البعد إذا تم تطبيقه على الأعراض الطبنفسية أو تشخيص الاضطرابات العقلية ومنها الفصام والاضطرابات الوجدانية والحصار المعرفي (الوسواس القهري) والتوحد.
الطيف في الاضطرابات الوجدانية ليس حديثاً و يشير إلى أن الاكتئاب والهوس هما على بعد واحد لاضطراب يؤدي إلى عدم توازن في المزاج والوجدان.
العلة الهوسية الاكتئابية هو ما نسميه اليوم اضطراب الثناقطبي. المصطلح الأخير أصبح شائع الاستعمال جماهيرياً وأفل وصمة من الأول ولكن ما صاحب ولادة هذا المصطلح هو استحداث بعد جديد نسميه طيف الثناقطبي.
مع مرور الوقت بدأت العتبة السريرية للأعراض والتشخيص تنخفض تدريجيا لتشمل تقلبات مزاج لا تتجاوز بضعة أيام.
في الوقت الذي كان الطب النفسي يعتبر انتشار العلة الهوسية الاكتئابية نادرة الانتشار نرى اليوم أن هناك ما يمكن اعتباره وباء الثناقطبي.
المراكز الأمريكية تتحدث عن واحد من كل 68 طفلاً امريكياً يشخص بالتوحد.
اضطراب الحصار المعرفي (الوسواس القهري) كان اضطراباً منفصلاً عن بقية الاضطرابات وقليل الانتشار يتميز بأفكار تداهم الانسان الذي يدرك سخافتها ويحاول مقاومتها. يصاحب ذلك أعراض قلق وبالتالي يستجيب الإنسان للفكرة ليتخلص من القلق.
بعد نقل الحصار المعرفي إلى مجموعة اضطرابات القلق تم استحداث مجموعة خاصة به وتبع ذلك استحداث مفهوم طيف الحصار المعرفي أو طيف الوسواس القهري.
هناك حقيقة لا جدال فيها وهي أن طريقة عمل الدماغ والجهاز العصبي المركزي أقل وضوحاً من بقية أجهزة الجسم.
كان العلم يفسر الاضطرابات النفسية بتدفق السوائل والأبخرة في الجسد قبل القرن الثامن عشر ولكن مع اكتشاف الطاقة الكهربائية وتطور علوم التشريح بدأ العلم يطارد التيارات الكهربائية في الجهاز العصبي.
ثم جاء دور تصوير الرنين المغناطيسي ليساعد في التركيز على مناطق منفصلة من الدماغ ووظائفها. الآن دخل العلم مرحلة التركيز على الاتصالات بين الخلايا العصبية المختلفة فيما نسميه علم الاتصالات Connectomics.
كان استحداث مفهوم الأطياف وسيلة في البحث ومن ثم العثور على تلك الوحدة الصغيرة في دماغ الإنسان التي هي بمثابة مفتاح اللغز لتفسير الاضطرابات النفسية وطرق علاجها.
كل ما يعنيه الطيف هو أن معظم الناس يتعرضون للمسة من اضطراب نفسي في مرحلة ما ولكنها قد تدوم لفترة أطول في أقلية كبيرة منهم الذين يتم تشخيصهم باضطراب نفسي صغير أو جسيم.
الطب النفسي لا يقتصر على العوامل البيولوجية فقط وحتى إذا تم العثور على الأساس البيولوجي لجميع الأمراض العقلية فإنه لن يمحو وينفي العلاقة بين الاضطرابات الطبنفسية وظروفهم الاجتماعية وخبراتهم السابقة في الحياة.
يحاول الطب النفسي البحث عن الوسائل لاكتشاف وتشخيص الأمراض الطبنفسية في مراحل مبكرة لتقديم العلاج الأفضل وارسال المريض إلى المجتمع بصورة صحية.























