(اللهم اغفر للأحنف)
حديث شريف
بألقِ الذكرِ ومنطق الفكر، وسمة الحِلم وسعة العلمِ، امتطى الأحنف بن قيس صهوة الأناة والعقل والتروّي والقدرة على ضبط النفس وكظم الغيظ، كيما يتبوّأ مكانة عليا، بتنحّيه عمّا يمكن أن يكون هوّةً أو عثرة طريق.
فللهِ درّه.. حين ومض التاريخُ في سِفرِه، باسم من شاطر حِلمُه قولَه وفعلَه، فأشار إلى الأمير الكبير العالم النبيل الثقة المأمون البصريّ الثقة أبي بحر سيّد قومه، واسمه ضحاك وقيل: صخر، اشتهر بالأحنف لحنف رجليه، وهو العَوَج والميل، فقد كانت أمّه الباهلية ترقصه وتقول:
والله لولا حنف برجله
وقلة أخافها من نسله
ما كان في فتيانكم مثله
وصفوه فقالوا: كان ضئيلاً أعورَ، دميماً قصيراً كَوْسجاً، صَعْل الرأس، متراكب الأسنان، مائل الذقن، ناتئ الوجه، باخق العين، خفيف العارضين، أحنف الرجلين، فإذا تكلّم، جلا عن نفسه.
ولصبرٍ على عظم بلائه، واحتوائه جُلّ إيلامه ما شكى لأحد أَمْر ومُرّ فَقْد عينه التي ذهبت أربعين سنة.
أسلم الأحنف في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، بيد أنّه لم يحز شرف لقائه صلوات الله وسلامه عليه، وكان قد نما رسول الله صلى الله عليه وسلم علماً به ومعرفة بخُلّقه، فدعا له: (اللهم اغفر للأحنف) فكان الأحنف يقول: فما شيء أرجى عندي من ذلك.
وبنضارة حِلمه ورجاحة عقله توهّجت سيرة الأحنف بن قيس في مختلف العصور والأزمان، حتّى غدا مضرباً للمثل عند الكثيرين ومنهم أبو تمّام حين أراد امتداح ابن الخليفة العباسيّ قائلاً:
إقدام عمرو في سماحة حاتم
في حلم أحنف في ذكاء إياس
أمّا قومه فقد أنعموا برغد عيش في ظلِّ حلمه الذي منحه إيّاه ربّ العزّة والجلال، وفي ذلك قال شاعر:
إذا الأبصار أبصرت ابن قيس
ظللن مهابة منه خشوعا
وقد أصاب الأحنف حين هجر فائض الكلام ولغوه؛ كيما يضاف اختصاره واختزاله لمناقبه وأفضاله، وفي ذلك ما كان بينه وبين رجلٍ خاصمه قائلاً له: لئن قلت واحدة لتسمعن عشراً، فردّ الأحنف: لكنك إن قلت عشراً لم تسمع واحدة.
كما أراد رجلٌ آخر أن يعيب شخص من أتقن نسج الحكمة والسؤدد سائلاً إيّاه: بم سُدتَ!؟ وبحلمٍ مصقول الأنفة ووقار مدعوم بالإباء أجاب الأحنف: بتركي ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك.
كان زاده الخُلق دمثه وجميله، وفي ذلك سألوه: بِمَ سوْدُوك؟ قال: لوْ عابَ الناس الماءَ لمْ أشربه.
وهو إذ ذاك يرى الالتزام بالصمت أبلغ من الحديث المتكلّف الذي قد ينشأ عنه الرياء والكذب، وفي ذلك يقول الحسن رضي الله عنه ذكروا عن معاوية شيئاً فتكلموا، والأحنف ساكت، فقلت: يا أبا بحر مالك لا تتكلم؟ قال: أخشى الله إن كذبت وأخشاكم إن صدقت، لذا قال عنه الحسن رضي الله عنه: ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف.
وقد أراد الأحنف أن يضع لنفسه مكانة وحدوداً تليق بقدره حين وضع لكلّ شخص قدره حين قال: ما نازعني أحد إلا أخذت أمري بأمور: إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه.
وممّا عُرِف به الأحنف طلاقة اللسان وفصاحته، وحسن المنطق ودرايته، فمن درر قوله: رأس الأدب آلة المنطق لا خير في قول بللا فعل ولا في منظر بلا مخبر ولا في مال بلا جود ولا في صديق بلا وفاء ولا في فقه بلا ورع ولا في صدقة إلا بنية ولا في حياة إلا بصحة وأمن والعتاب مفتاح التقالي والعتاب خير من الحقد.
كما اشتهر الأحنف بملازمته خيله، فهو الفارس المغوار الذي قاد جيوش المسلمين في الأهواز، بأمر من الخليفة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وهزم الفرس في بلخ، كما استتب الأمن في خراسان، فما برح فارسنا يكرّ ويفرّ ولمن ينثنِ عن الدفاع عن دين الله ورفع راية الإسلام، حتّى وافاه الأجل المحتوم في السنة السابعة والستين من الهجرة، في إمرة صاحبه مصعب بن الزبير على .
العراق
قال عبد الرحمن بن عمارة: حضرت جنازة الأحنف بالكوفة فكنت فيمن نزل قبره فلما سويته رأيته قد فسح له مدّ بصري فأخبرت بذلك أصحابي فلم يروا ما رأيت.
فرحمة من الله واسعة لمن وسع صدره باتساع دائرة حلمه وصبره، وطوبى لمن أحيا ذكره حسن سيرته وحلم.























