(كان أبو عيسى ممن جمع وصنّف وحفظ وذاكر)
ابن حبان
بقدرات خارقة، وإيمان فذ، تجاوز ما يثنيه عن عزمه؛ ليدون لنا مرجعاً ضخماً تصدر عدداً من الكتب والمراجع، لما يحويه من علم نافع وفوائد غزيرة؛ ليكون منهلاً عذباً عبر عصور مختلفة وفي بقاع شتى، ذاك هو صاحب الهمة العالية محمد بن عيسي بن سورة بن موسى الضحاك أبو عيسى الترمذي السلمي العلم الإمام الفقيه البارع، مصنّف (الجامع وكتاب العلل) و(الشمائل النبوية) و(أسماء الصحابة).
ولد في حدود سنة عشر ومئتين للهجرة المباركة، واختلف في كونه ولد أكمه (لا يبصر) ولكن بعض المراجع رجحت أضرّ في كبره، بعد رحلته وكتاباته للعلم، بيد أن روايات أكدت أنه كان بكاءً من خشية الله تعالى، حتّى أن فقد بصره، وبقي ضريراً سنين.
أما ترمذ فهي مدينة تقع على طرف نهر جيحون والسلمي، نسبة إلى قبيلته بني سليم التي تقطن الحجاز، حيث خرج أبوه إلى هناك في أحد الحروب واستوطن تلك الديار.
حفظ القرآن الكريم وهو صغير، وليس في سيرته أنه خرج من بيت علم، لكنه تخرج من بيئة علمية.
قضى الترمذي عمره مرتحلاً في طلب العلم بزوادة من الشغف والبحث عن مصادر ثقة يكل إليها في تصنيفه وتوثيقه وتدوينه، فالتقى بكثير من العلماء، وسمع بخراسان والعراق والحرمين، ولم يرحل إلى مصر والشام.
ضرب به المثل في الحفظ، لما ألهم من سرعة فيه مع قوة الادراك وسعة الذاكرة، فمن أبرز سماته أنه كلما سمع كمّاً من الحديث، حفظه بأسانيده مرتبة، وهي قدرات ولا عجب من سير سلفنا الصالح لنماذج استطاعت خدمة الدين بهذه العقول، إذ كان الترمذي واحداً من هؤلاء القوم الذين اصطفاهم الله تعالى لحفظ الوحي الثاني، وهو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سخرهم الله لأن يحفظوا هذا العلم والدين والحديث.
وعندما وري الثرى إمامنا البخاري، قيل أنه لم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى، في العلم او الحفظ، والورع والزهد.
وفي (الثقات) قال ابن حبان: كان أبو عيسى ممن جمع وصنّف وحفظ، وذاكر.
ولما امتاز به كتابه (الجامع) من ملاحظاتٍ على رجال الإسناد وتبنيه مواضع الخلاف بين المذاهب، ولشدة ما فيه من علم، وسهولة وصول كل أحد إلى فائدته، فقد عد الجامع موسوعة، كما عد أحد الكتب الستة المعتمدة عند أهل السنة، وفي ذلك قيل: من كان هذا الكتاب، يعني (الجامع) في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم.
فيما أشار أبو عيسى بقوله فيه: صنفت هذا الكتاب، وعرضته على علماء الحجاز، والعراق وخراسان، فرضوا به.
وفي وصف لكتابه الشمائل المشتمل على ذكر صفات وشمائل خير البرية صلوات الله وسلامه عليه، يقول الأديب محي الدين عبد القادر الزركشي:
ولعل كل ما ذكر حول الترمذي وكتبه ورفعة خلقه، إنما هو شاهد على ما تميزت به هذه الأمة فيما تملك من دين قويم متميز بالتكامل والشمولية، محقق للتوازن في كافة جوانب الحياة فالله تعالى حين اختار أمة الجزيرة، كانت أمة مؤهلة لحمل هذا الدين لقدرات سطعت للإنسانية بنورها وشعت بمنافع علمها وسبرت أغوار فكرها.
فرحمة من الله واسعة للعالم الجليل إمامنا الترمذي الذي مات في ثالث عشر رجب سنة تسع وسبعين ومئتين بترمذ.
























