إعداد: داليا عصام الزيود – اختصاصي علاج وظيفي أول، مركز القلب الطبي – مدينة العين
مقدّمة
كم مرة تمنّيت أن يرتدي طفلك ملابسه وحده، أو أن يعود أحد أحبّتك بعد الجراحة إلى روتينه اليومي؟ من هنا يبدأ دور العلاج الوظيفي — التخصص الطبي الذي يرى في كل نشاط فرصة لبناء الاستقلال والثقة، خطوة بخطوة..
اقرا ايضا: العلاج الوظيفي داخل المدارس … شريك استراتيجي لنجاح الطلاب وشمول التعليم
ما هو العلاج الوظيفي؟
العلاج الوظيفي هو مهنة طبية تتمحور حول الإنسان، وتهدف إلى تعزيز جودة الحياة من خلال تمكين الأفراد من أداء الأنشطة اليومية ذات المعنى التي يريدونها أو يحتاجون إليها أو يُتوقَّع منهم القيام بها، مثل العناية الذاتية، التعلّم، العمل، اللعب، والمشاركة المجتمعية. هذا هو التعريف المعتمد من الاتحاد العالمي للعلاج الوظيفي (WFOT).
لماذا يُعد تخصصاً طبيًا؟
تُدرج منظمة الصحة العالمية(WHO) العلاج الوظيفي ضمن منظومة التأهيل الطبي، التي تهدف إلى تقليل تداعيات الإعاقة وتعزيز الوظيفة. يعمل اختصاصي العلاج الوظيفي على تقييم التفاعل بين المريض وجسده ونفسيته وبيئته، ويضع خطة علاجية عملية لتحسين الأداء اليومي. لذلك يُعد العلاج الوظيفي عنصرًا محوريًا في الرعاية الصحية متعددة التخصصات.
ماذا يفعل العلاج الوظيفي عمليًا؟
يعتمد العلاج الوظيفي على إطار الممارسة المهنية الصادر عن الجمعية الأمريكية للعلاج الوظيفي (AOTA)، ويتناول خمسة محاور رئيسية
- الإنشاء أو الاستعادة: تأسيس مهارة جديدة أو استعادة مهارة مفقودة
- التحسين: تطوير مهارات قائمة لزيادة الكفاءة
- الوقاية أو المحافظة: منع التدهور والحفاظ على الأداء
- التعويض أو التعديل: تكييف البيئة أو الأدوات أو طريقة الأداء
- التمكين أو الترقية: دعم المشاركة المجتمعية لجميع الأفراد
ما المهارات التي يستهدفها العلاج الوظيفي؟
- المهارات الحركية الجسدية: مثل التوازن، مسك القلم، والتنسيق البصري-الحركي
- المهارات التنفيذية والمعرفية: الانتباه، التخطيط، الذاكرة العاملة، التنظيم
- المهارات الحسية: التعامل مع فرط أو ضعف الاستجابة للمثيرات الحسية
- المهارات الاجتماعية والانفعالية: التواصل، ضبط الانفعالات، حل المشكلات، والمشاركة الجماعية
أين يُطبّق العلاج الوظيفي؟
يعمل الاختصاصيون مع مختلف الفئات العمرية — من الطفولة إلى الشيخوخة — في حالات تشمل اضطرابات طيف التوحّد، فرط الحركة وتشتت الانتباه، التأخر النمائي، إصابات الدماغ والحبل الشوكي، الإعاقات الجسدية، وغيرها. يُقدَّم العلاج في بيئات متنوعة: العيادات، المستشفيات، المدارس، المنازل، والمجتمع.
متى تجب مراجعة اختصاصي العلاج الوظيفي؟
تُوصى مراجعة الاختصاصي عند ملاحظة أي قصور في قدرة الفرد على أداء أنشطته اليومية بفعالية أو استقلال، نتيجة خلل في أحد مكوّنات الأداء الجسدية أو الحسية أو الإدراكية أو النفسية. وتشمل المؤشرات السريرية الشائعة ما يلي:
- صعوبات في الأداء الوظيفي اليومي: ضعف مهارات العناية الذاتية (ارتداء الملابس، تناول الطعام، استخدام الأدوات)، أو انخفاض الكفاءة الأكاديمية والعملية
- تراجع في مهارات مكتسبة سابقًا: فقدان أو ضعف مهارة كانت موجودة مسبقًا كالعناية الشخصية أو استخدام اليدين أو التنقل
- اضطرابات في المعالجة الحسية أو التنظيم الانفعالي: فرط أو نقص الاستجابة للمثيرات مثل الضوء أو الصوت أو اللمس، أو صعوبة ضبط المشاعر والسلوك أثناء النشاط
- إجهاد أو ألم وظيفي أثناء النشاط: الشعور بالتعب أو الألم أو الانزعاج عند أداء المهام اليومية البسيطة
في هذه الحالات، يجري الاختصاصي تقييمًا وظيفيًا شاملًا يتضمّن التحليل الحركي والحسي والإدراكي والسلوكي ضمن بيئة الشخص الطبيعية. وبناءً على النتائج، تُصمم خطة علاجية فردية مبنية على الأدلة العلمية تهدف إلى تحسين الأداء وتعزيز المشاركة واستعادة الاستقلال الوظيفي.
الخلاصة
العلاج الوظيفي ليس مجرد تمارين، بل فلسفة طبية عملية ترى في كل إنسان قدرة يمكن استعادتها، وفي كل نشاط فرصة لبناء الثقة من جديد. إنها المهنة التي تعيد للطفل مهارته، وللكبير ثقته، وللحياة توازنها.
المراجع
- World Federation of Occupational Therapists (WFOT) – About Occupational Therapy.
- American Occupational Therapy Association (AOTA) – Occupational Therapy Practice Framework (OTPF-4), 2020.
- World Health Organization (WHO) – Rehabilitation Factsheet & Rehabilitation 2030.





















