( 538 هـ ـ 1143م ـ 590 هـ ـ 1194م)
في شاطبة.. المدينة الأندلسية العريقة، ولد أبومحمد القاسم بن فيرة الشاطبيّ الرعينيّ سنة 538 هـ، وإليها نُسِب، كفَّ بصره صغيراً، وعنيت به أسرته حقّ العناية، فحفظ القرآن الكريم، وتعلّم طرفاً من الحديث والفقه، واتجه إلى حلقات العلم المنعقدة في مساجد شاطبة، فوجد في نفسه ميلاً لعلم القراءات فبرع به وأبدع، ارتحل بعدها إلى بلنسية وكانت من حواضر العلم في الأندلس، فقرأ وسمع الحديث، ودرس التفسير، وكتاب سيبويه، والكامل للمبرد وأدب الكاتب لابن قتيبة.
وتوقاً لأداء مناسك الحج، شدّ الشاطبيّ رحاله للأراضي الحجازيّة المقدّسة، وفي طريقه إليها، مرّ بالإسكندرية ماكثًا بها زمناً حظي خلاله بتعلّم الحديث على يد عالمها الفاضل الحافظ السلفيّ، بعدها توجّه إلى الحجاز لأداء فريضته، وفي طريق عودته منها، دخل مصر، فأكرم حاكمها (القاضي الفاضل) وفادته وأحسن استقباله وعرف مكانته، وأنزله مدرسته، جاعلاً إيّاه شيخاً بها.
ولمّا طابت حياة القاهرة للشاطبيّ، استوطنها واستقرّ بها، وجلس للإقراء والتعليم، فأقبل عليه الطلاب من كل حدب وصوب، يرتشفون من علمه الفياض، وينهلون من أدبه الغزير، إذ طفقت شهرته الآفاق بحفظه الحديث وزهده وورعه وإخلاصه في دينه، واتقانه في علمه، وتبحرّه وبصيرته باللغة العربيّة وفنونها، مما أكسبه هيبة وإجلالاً، كما أسبغ عليه الاشتغال بالقرآن نوراً كسا وجهه وألقى محبة له في القلوب.
وبعد أن حقّق الله تعالى النصر لصلاح الدين باسترداد مدينة بيت المقدس سنة (583هـ ـ 1187م) توجّه إلى الشاطبي زائراً له سنة (589 هـ ـ 1193م).
وفي الحقيقة.. فإنّ سيرة الإمام العلامة المقرئ الفقيه الشاطبي تؤكّد أنّه كان من أبرز وأعظم علماء القرآن الكريم بل وأنبغ من أنجبتهم الثقافة الإسلامية في تاريخها، فقد كان إمام القراءات في عصره مع معرفة تامة بالحديث والنحو واللغة وغير ذلك، وكان إذا قرئ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ يصحح النص من حفظه، كما كان ذكي القريحة، قوي الحافظة، واسع المعرفة.
ولعلّ شهرته التي ذاعت في الأرجاء تعود على تآليفه البديعة المثال، المنيعة المنال ومنها المنظومة المشهورة بالشاطبيّة في علم القراءات والمعروفة بحرز الأماني ووجه التهاني، والتي لقيت إقبالاً منقطع النظير وظلت موضع اهتمام العلماء والدارسين منذ أن نظمها الشاطبيّ رواية وأداء، والتي ضمّن في مقدمتها منهجه وطريقته، ومن أبياتها:
جزى الله بالخيــرات عنَّا أئمــة لنا نقــلوا القــرآن عذبًـا وسلسلا
فمنهم بدور سـبعة قد توســطت سماء العـلا والعـدل زهر وكُمَّلا
لها شهب عنها استنارت فنورت سواد الدجى حتى تفرق وانجلا
ومن مؤلفاته أيضًا كتاب (الوقوف) و(تفسير القرآن) ورسالة في طبقات المفسرين، ورسالة في إعجاز القرآن ورسالة في طبقات القراء وغير ذلك.
أثنى عليه كثيرٌ من الأئمة بالأوصاف الكريمة وحفظه وكثرة علومه الجسيمة، وشهد له الناس بولايته ومحاسن أخلاقه وزهده وعبادته.
ظل الشاطبي في القاهرة يقيم حلقته في مدرسته، ويلتف حوله تلاميذه النابهون، ولم تطل به الحياة، حيث توفي عن 52 عامًا، في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة لعام 590 هـ ـ ودفن بالقاهرة، ورحم الله علماءنا رحمة واسعة وغفر لنا ولهم.
























