(اللهم اجعله هادياً مهدياً)
رسول الله صلى الله عليه وسلم
جميلة هي الوقفة عند حدود زمن كان فجراً لنور الأرض.. للحياة.. للإنسان.. لقلبه.. لعقله.. لكرامته.. لخيره.. هو ذاك نور الإسلام العظيم.. وبديعة هي الإطلالة على سير أعلام كانت وما زالت نوراً يهتدى.. ومنهجاً يقتدى.
وجرير بن عبد الله بن جابر البجلي أحد هؤلاء الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم.. الذين.. ما انفكوا يستصغرون كبير الأمور، ويركبون صعبها، وهم يحيلون الحياة أعطاراً وأشذاء تنبعث من أيكة علم نافع، ودوحة أدب رفيع.. إلى كل مكان وزمان عاشوه ام لم يعيشوه.
وحرى بنا أن نشير إلى مكانته وما كان يشيد به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ورد في قصة إسلامه رضى الله عنه عندما أقبل من أرض اليمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يطلع عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك)، فطلع جرير على راحلته ومعه قومه فأسلموا وبايعوا، قال جرير: فبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعني، وقال: على أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتنصح المسلم وتطيع الوالي وإن كان عبداً حبشياً، فقال: نعم، فبايعه.
فما أن أسلم جرير حتى امتطى صهوة الجهاد فارساً ولعل ما سجله من بطولة في القادسية كان له عظيم الأثر في تاريخ الأمة.. كما اتخذ صحابينا الجليل من قوة إيمانه مدمراً جريئاً لأصنام قحطان.. وهو إذ لا يبالي إلا برضاء الله عز وجل ورسوله الأكرم.. ولله دره.. حين فقد عينه حين ولاه عثمان بن عفان رضي الله عنه همذان، فكان نعم الصابر المحتسب.
ولأن لكل مقام مقالاً.. ولكل ذي منزلة منزلته.. فقد روي أن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه دخل البيت وهو مملوء فلم يجد مجلساً، فرمى إليه رسول صلى الله عليه وسلم بإزاره، أو بردائه وقال: اجلس على هذا، فأخذه فقبله وضمه إليه وقال: أكرمك الله يا رسول الله كما أكرمتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه).
ومن نعيم ما ظفر به جرير تلك البشاشة على المحيا الطاهر.. حيث كان يستقبله الرسول صلى الله عليه وسلم بالترحاب والتقدير.. ولا يرده أبداً.. وفي ذلك يقول جرير: ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا ضحك.
منحه الله جل علاه من الحسن والجمال.. حتى قال عنه عمر بن الخطاب: إن جريراً يوسف هذه الأمة.. ولهذه الوسامة كان يأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يلبس أحسن حلله، ويكون فيمن يستقبلون الوفود.. ولعل جمال خُلقه كان أجمل من جمال خَلقه.
وقضى جل حياته على عهد من الرسول الكريم أبر به، فلما وافت المنية المغيرة بن شعبة خطب جرير رضى الله عنه قائلاً: أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، والوقار والسكينة، فإني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى هذه على الإسلام واشترط علي النصح لكل مسلم، فورب الكعبة، إني لكم ناصح أجمعين. واستغفر، ونزل.
وبشيء من ومض الكلمات ونبض المفردات نترك قارئنا العزيز يطل على ما لجرير البجلي رضي الله عنه من رجاحة العقل.. وحلاوة المنطق إذ يقول: (الخرس خير من الخلابة) و(البكم خير من البذاء).
توفي جرير في خلافة معاوية بعد حياة حافلة بالعطاءات والبطولات والطاعات والصبر على الملمات.
























