متلازمةِ (تريتشر كولينز)؛ خلل تعظّمِ الوجهِ والفكِّ
(إذا خيَّروكَ بينَ أن تكونَ على صوابٍ أو أن تكونَ لطيفاً
فاختر اللطفَ لأنَّ كلَّ إنسانٍ يخوضُ معركتهُ الخاصة التي قد لا تعرفُ عنها شيئاً)
كما تحتفي العائلةُ بآخرِ العنقودِ من أبنائها وتبذخُ في دلالهِ أعتقدُ أن الأسرة الإنسانية في شتَّى أرجاءِ المَعمورة احتفت بالفنِّ السابعِ لدى قدومهِ وما زالت تبذخُ في دلالهِ كآخر العنقود المُكمِّل لدُررِ الإبداعِ البشري في النَّحتِ والرسمِ والتلوينِ والموسيقى والرقصِ والأدب.
ومنذ البشائر الأولى لظهور السينما مع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تملَّكت الشاشة الفضية من قلوب الناسِ جماعاتٍ جماعاتٍ وأصبحت مشاهدة الأفلام طقساً جميلاً بدأ كنوعٍ من أنواعِ الترفيهِ لكنه ما لبثَ أن تطورَ مع مرورِ الزمنِ فما عادَ الغرضُ من السينما تسلية الناس وحسب بل المساهمة في تثقيفهم وتوعيتهم والارتقاء بأخلاقهم وإضفاء لمسةٍ من الجمالِ على حياتهم دون أن ننسى أن السينما كأيّ أداةٍ وقعت في يدِ الإنسان عبرَ التاريخِ استُخدمت سلباً في بعض الأحيان.
إذاً.. لا بُدَّ أن نتفقَ على اعتبار السينما من أهم العوامل المساهمة في تكوين شخصيةِ المرءِ وثقافته في العصر الحديث بما يُقدَّمُ عبرها من أفلامٍ تحملُ ما تحملهُ في طيَّاتِهَا من أفكارٍ وآراءٍ وتوجّهاتٍ ومواقف وحالاتٍ وقصصٍ سواء أكانت من الواقعِ أم الخيالِ أو مزيجاً من الاثنين إذ لطالمَا أصبحُ الخيالُ واقعاً مع مرورِ السنين.
في هذه الوقفة نستعرضُ واحداً من الأفلام التي تمنحُ السينما صيتها العطرَ لا لمَا فيهِ من تقنيةٍ تبهرُ العينَ أو تمثيلٍ خارقٍ للطبيعةِ أو تكلفةٍ إنتاجيةٍ مَهولةٍ بل لمضمونهِ العميقِ وقصتهِ غير التقليديةِ ورسالتهِ الساميةِ بالإضافةِ طبعاً للأداءِ المميز الذي قدَّمه الطفل (جاكوب تريمبلاي) حينَ لعبَ بحرفيةٍ عاليةٍ وصدقٍ رائعٍ دورَ (الأعجوبة) (Wonder) وهو.. عنوان الفيلم.

قليلونَ يعرفونَ متلازمةِ (تريتشر كولينز) أو خلل تعظّمِ الوجهِ والفكِّ وهي حالة وراثية تؤدّي إلى اضطرابٍ في نمو العظامِ وعضلاتِ الوجهِ إذ تؤثّر على 1 من أصل 50000 شخص، ويرجع سببها إلى طفرةٍ في جينٍ يُعرفُ باسمِ TCOF1، لكن، بعدَ مُشاهدة فيلم (Wonder) سيكونُ حالُ المعلومات عن هذه المتلازمةِ مختلفاً نوعاً ما لأنَّ الشخصية الرئيسية التي قدَّمها الطفل جاكوب تريمبلاي هي شخصية طفلٍ مُصابٍ بها والفيلم بِمجملهِ مَأخوذٌ عن روايةِ الكاتبِ راكيل جراميلو التي تحملُ نفسَ العنوان.
بعدَ 27 عمليةٍ جراحيةٍ تَلت ولادته سيطرَ جسمُ الطفلِ (أوغست) على معظمِ العملياتِ الحيويةِ التي يَحتاجُهَا الإنسانُ للحياةِ لكن شكلَ وجههِ بقيَ (مُشوَّهاً) ونتيجةً لذلكَ تجنَّب والداه اللذان قامَ بدوريهمَا الفنانان الرائعان جوليا روبرتس وأوين ويلسون إلحاقهُ بالمدرسةِ كي لا يتعرض لسخرية الأطفال الآخرين وكلامهم الجارح واكتفت والدته بتعليمه في المنزل لكن عندما أصبح أوغست في عمر أقرانه الذين سيتخرجون قريباً من المرحلة الإبتدائية ارتأى الوالدان أن الوقت حان كي يذهب طفلهم إلى المدرسة.
خوفٌ وقلقٌ كبيران اعتريا والدي أوغست من ردةِ فعلِ الطلبةِ عندما يرون ولدهم وبالفعل كانَ هذا الخوفُ مُبرَّراً فأغلبُ الفتيان تجنَّبوهُ وتفادوا الحديثَ معهُ أو السَّلامَ عليهِ باستثناءِ طالبٍ واحدٍ هو (جاك ويل) الذي بادرَ إلى مُصادقتهِ واللعبِ معهِ ومشاركتهِ الواجباتِ المدرسيةِ ثم تطوَّرت هذهِ الصداقة إلى زيارة أوغست في منزلهِ لكن تطوراً خطيراً ظهر في هذه الأثناء.
في عيد الهالوين وهو عيد يرتدي فيه الأجانب أقنعة مقتبسة من شخصيات مرعبة لم يستطع أحد من طلاب المدرسة التعرف على أوغست لأنه كان يرتدي قناعاً وهكذا لأول مرة لم يشعر بالتمييز ضده فكان الجميع يلقي السلام عليه ويخاطبه بود لكن عندما أصبح داخل فصله استطاع أن يستمع إلى صديقه الوحيد (جاك) وهو يتحدث عنه بالسوء وكيف أنه مضطر لمصادقته كي يحافظ على المنحة الدراسية التي تقدمها المدرسة والتي تعززها الصورة الناصعة عنه.


فيما بعد تتداخل الأحداث فالصدمة التي تلقاها أوغست من صديقه الوحيد لم تكن سهلة عليه ولا على أسرته بالإضافة إلى التنمر الذي يواجهه أوغست من بعض الفتية الآخرين الذين يحاولون باستمرار مضايقته ودفعه إلى ترك المدرسة لكن الطالبة (سمر) تخفف بلطفها من هذه التداعيات بالإضافة إلى وقوف الأهل دائماً سنداً لأوغست.

يشعر جاك بالخطأ الفادح الذي ارتكبه بحق صديقه ثم يرجع بذاكرته إلى الخصال التي يتمتع بها فيجد أنها أكثر بكثير مما كان يعتقد فأوغست ذكي جداً وروحه مرحة وصديق ممتاز فيطلب السماح منه وخلال مجموعة من المواقف تعود صداقتهما أقوى كما تتخذ إدارة المدرسة تدابير حازمة تجاه الطلاب المتنمرين تضع من خلالها حداً لتصرفاتهم الرعناء.
فيلم (ووندر Wonder) الذي أنتجَ عام 2017 واحدٌ من أنجح الأفلام الاجتماعية ذات المضمون الغني وعلى الرغم من أن كلفة إنتاجه لم تتجاوز الـ 20 مليون دولار إلا أن إيراداته تجاوزت الـ 200 مليون دولار..

في النهاية يوجه الفيلم رسالة مفعمة بالإنسانية والمعاني الوجدانية العميقة مفادها:
(إذا خيَّروكَ بينَ أن تكونَ على صوابٍ أو أن تكونَ لطيفاً فاختر اللطفَ لأنَّ كلَّ إنسانٍ يخوضُ معركتهُ الخاصة التي قد لا تعرفُ عنها شيئاً).
























