يُعدُّ اضطراب طيف التوحّد أحد الاضطرابات النمائيّة الشاملة التي تُصيب الأطفال قبل سن الثالثة، وهو يؤثر في نموهم في جميع الجوانب: الاجتماعيّة؛ واللغويّة؛ والسلوكيّة، إنه اضطراب معقد يكتنفه الكثير من الغموض فيما يتعلق بمظاهره وتداخله مع اضطرابات وإعاقات أخرى، وبتأثيره ليس على الطفل فحسب، بل أيضاً على أسرته والأشخاص المحيطين به، ويبدأ هذا الاضطراب من ميلاد الطفل وتستمر أعراضه مع حياته، إذ يتّصف الطفل المُصاب بضعف حادّ في: التواصل؛ والمهارات الاجتماعية؛ والسلوكات المختلفة.
بدأ الاهتمام باضطراب طيف التوحّد بشكل ملحوظ حديثاً، نظراً لما ينطوي عليه هذا الاضطراب من تأثيرات نمائية شاملة تؤثر في معظم المظاهر والمجالات. ولقد زادت نسبة انتشار اضطراب طيف التوحّد في الآونة الأخيرة، وتحدد نسبة انتشاره حسب تقارير مراكز ضبط الأمراض والوقاية منها للعام 2012: Centers for Disease Control and Prevention (CDC)) و(ADDM) Developmental Disabilities Monitoring the Autism الذي خلُص إلى أن معدل انتشار اضطراب طيف التوحد قد ارتفع إلى 1 في كل 88 ولادة في الولايات المتحدة، وأن نسبة حدوثه لدى الذكور تفوق بكثير نسبة حدوثه لدى الإناث، بمعدل 1 إلى 4 من الذكور، وأن عملية التدخّل في عمر مبكر هي الأفضل من أي وقت آخر.
بدأ الاهتمام بالتوحّد، باعتباره اضطراباً نمائيّاً، على يد الطبيب والعالم الأميركي ليو كانر
Leo Kanner)) العام 1943م، من خلال وصفه لأحد عشر طفلاً لهم الخصائص نفسها التي يختلفون فيها عن غيرهم، إذ وجد أن هؤلاء الأطفال يُظهرون عزلة واضحة عن العالم الخارجي، وكذلك قصوراً واضحاً في النمو اللغويّ والتفاعل الاجتماعيّ، ويُبدون بعض الأنماط السلوكيّة والحركيّة التي قد تحدُّ من إقامة علاقات مع الآخرين. ويظهر اضطراب طيف التوحد ـ بوضوح وشدّة ـ عند الأطفال في الأعمار المبكرة، وتتحسّن أعراضه مع التطوّر الإدراكي والتقدّم في العمر (Paul, 2010).
توالت بعد ذلك العديد من الدراسات التي أوردت معلومات حول اضطراب التوحد. إذ قدّم كريك Creak عام (1961) محكّات تشخيصيّة لما يسمي آنذاك بـ (التوحّد الطفوليّ)، توضح صفات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحّد، إلا أن هذه الصفات تعرضت للنقد الشديد، والتي تمثّلت في القصور العام في بناء العلاقات العاطفية مع الآخرين؛ وضعف في إدراك الذات، ويظهر أن الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحّد شديدو التعلّق بالأشياء من دون أي سببٍ واضحٍ، ومن أبرز الصفات التي تميّزهم أيضاً المقاومة الشديدة لتغيير الروتين، والقلق الشديد والتوتر، وكذلك فقدان تطوّر اللغة في المراحل العمريّة الأولى.
وفي العام (1977) نشرت منظمة الصحة العالميّة (World Health Organization) الإصدار التاسع للتصنيف العالميّ للأمراض (International Classification Diseases – ICD-9) وصنفت اضطراب طيف التوحّد باعتبارها فئة مستقلة.
وفي العام (1980) أصدرت الجمعية الأميركية للطب النفسي (American Psychiatric Association – APA) تصنيفها الثالث من خلال الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية ـ الإصدار الثالث ((Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders – DSM-3 وضعت فيه اضطراب طيف التوحّد من ضمن الاضطرابات النمائيّة الشاملة في مرحلة الطفولة المبكرة.
وفي العام (1994) أصدرت الرابطة الأميركية للطب النفسي (APA) الإصدار الرابع للدليل التشخيصيّ والإحصائيّ للاضطرابات العقليّة (DSM-4) إذ قدّمت مفهوم الاضطرابات النمائيّة الشاملة الذي يضم كلاً من: اضطراب التوحّد ((Autism Disorder؛ ومتلازمة أسبرجر (Asperger’s Syndrome)؛ واضطراب التفكّك الطفولي (Childhood Disintegrative Disorder-CDD)؛ واضطراب ريت Disorder Rett؛ والاضطرابات النمائيّة الشاملة غير المحدّدة (Pervasive Developmental Disorder – Not Otherwise Specified – PDD-NOS).
وحديثاً في العام (2013) نشرت الرابطة الأمريكية للطب النفسي ((APA الإصدار الخامس للدليل التشخيصيّ والإحصائيّ للاضطرابات العقليّة ((DSM-5 وتمّ فيه دمج اضطرابَي: (التوحّد) و(أسبرجر) مع الاضطرابات النمائيّة غير المحدّدة في فئة ومجموعة تشخيصيّة واحدة تحت مسمى اضطراب (طيف التوحد). وقامت بحذف متلازمة (ريت) واضطراب (التفكك الطفولي)، إذ يبين الدليل العلميّ والممارسة الإكلينيكيّة أنّ طيف الواحد منهما يعبر عن جميع الأعراض، وكذلك أكدت أنه لا يوجد أي دليل إكلينيكيّ أو بحثيّ يدعم فصل اضطراب طيف التوحد واسبرجر والاضطرابات النمائية عن بعضها بعضاً. (Kaufmanet al., 2013)
























