حين أضاء الإسلام بطاح مكة ووديانها، وانتشر نبأ مبعث النبيّ القرشيّ بين أهله وعشيرته، وَثَبَتِ الصحابيّة المؤمنة أم شريك غزيّة بنت جابر بن حكيم إحدى عقيلات قريش ـ رضي الله عنها ـ في ساحٍ تصاعد فيها الصراع بين الحقّ والباطل، بين الإيمان والجحود، بعد أن غمرت روحها بفيض الدعوة ومشكاة النبوة.
فارسة القول والفعل؛ مجسّدة إيمانها في صورة فريدة من صور الجهاد السلميّ والدعوة بالكلمة رغم ما كان بها من لثغة في لسانها تجاوزتها بإمكانات بلاغيّة وسمات شخصيّة منحها الله تعالى إياها لتمكِّنها من كسب القلوب وقوة التأثير.
فلما رأت ـ رضي الله عنها ـ تمكّن الكافرين، وما أحلّ بالمؤمنين، حملت همّ الدعوة إلى الدين، فتسامقت أهدافها، بقوة إيمانها، فأخذت تتنقّل سرّاً بين البيوتات المكيّة، تجالس النساء تبليغاً لهن بدعوة الحق وشرحاً لها، تنقل إليهن نور الوحي، وتهديهن إلى طريق النجاة، وتحذرهن من عبادة الأصنام، بحكمة وموعظة حسنة وجدال بالتي هي أحسن؛ مما كان له الأثر الكبير في تسارع نسوة قرشيّات للحوقِ بالإسلام العظيم.
فما برحت تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتدعو إلى خير المجتمع، وما أن انكشف أمرها للكفار، كالوا لها المكائد العظام، فوقعت في أيديهم اعتقالاً وسجناً، ومنعاً لها عن الطعام والشراب، موثقين إيّاها في الشمس حرّها وقرّها، حتّى وقعت في ابتلاء يمحص إيمانها، ويختبر صدق توجهها بعد أن أغدقوها بألوان التعذيب، وتهديدها بأكثر من ذلك، لولا خوف يمنعهم من قومها.
وفي ذلك تحكي أم شريك عن كرامة اختصها الله بها زالت ألمها، وروّت غلتها، وشرحت صدرها إذ تقول رضي الله عنها: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء، ثم تركوني ثلاثاً لا يطعموني ولا يسقوني، وكانوا إذا نزلوا منزلاً أوثقوني في الشمس، واستظلوا هم منها، وحبسوني عن الطعام والشراب.. فبينا هم قد نزلوا منزلاً وأوثقوني في الشمس، إذا أنا ببرد شيء على صدري، فتناولته فإذا هو دلو من ماء، فشربت منه قليلاً، ثم نزع مني فرُفِع، ثم عاد، فتناولته فشربت منه، ثم رُفِع، ثم عاد، فتناولته، ثم رُفِع مراراً، ثم تُركت فشربت حتى رويت، ثم أفضتُّ سائره على جسدي وثيابي، فلما استيقظوا إذا هم بأثر الماء، ورأوني حسنة الهيئة، فقالوا لي: انحللت فأخذت سقاءنا فشربت منه، قلت: لا والله، ولكنه كان من الأمر كذا وكذا، قالوا: لئن كنت صادقة لَدينُك خير من ديننا، فلما نظروا إلى أسقيتهم وجدوها كما تركوها، فأسلموا عند ذلك.
ذلك أن الله تعالى لم يخذل عباده الصابرين، وأن فرجه يحفّ من كل جانب؛ لأنه عزّ وجل لن يتخلَّى عن الصادقين، فشملها برعايته وعنايته، وبعث إليها ما يثبتها ويفرج عنها، مما زادها صبراً وثباتاً كان سبباً في إسلام أعدائها عن بكرة أبيهم، ولنا في ذلك قدوة حسنة.
ورغم كونها امرأة ضعيفة، فإنها تحمّلت في سبيل دينها ودعوتها ما تنوء به الجبال، فلم تترك عذراً لقاعد ولا متخلف، إذ كانت مثالاً رائعاً في العمل والتضحية والفداء والصبر، وكسر ما يعوّقها من حواجز؛ لتنشر الخير والهدى بقلبٍ ملؤه اليقين والثقة والهمة العالية بأن الله تعالى ناصر المؤمنين لا محالة.
فطوبى لأمّ شريك ـ رضي الله عنها ـ طوبى لها صمودها ورباطة جأشها، واحتسابها.
طوبى لها ـ رضي الله عنها ـ حين تأتي يوم القيامة وفي صحيفتها رجال ونساء أسلموا على يدها.
























