(إنما العباس صِنْوُ أبي.. فمن آذى العباس فقد آذاني) رسول الله صلى الله عليه وسلم
حين تجدب السطور وينضب الكلام، تمطرنا سِيَرُ العظماءِ بوابلِ ضيائها؛ لتنجلي في الأفق عن عينين كفّ بصرهما وقلبٍ شعَّ بصيرةً وفاض وعيًا لسيد من سادات قريش وأشرافها في الجاهلية والإسلام، قضى عمرًا حافلاً بالبطولات والمفاخر والمكارم، ذاك هو الصحابيّ الجليل ذو الرأي العباس بن عبد المطلب بن هاشم (أبو الفضل) عم رسول الله صلى الله عليه وسلم تفصل بينهما سنتان أو ثلاث تزيد في عمر العباس.
فإنْ كانت القرابة والصداقة قد وثّقت صلةً بينهما، فإنّ خُلُق العباس وسجاياه غرست حبًّا عميقًا تجذّر في حنايا الرسول صلى الله عليه وسلم ونفسه له، إذ كان وَصولاً للرحم والأهل، لا يَضِنُّ عليهما بجهد ولا مال، وفي ذلك فاخر سيّد البشرية صلى الله عليه وسلم بقوله: (هذا العباس بن عبدالمطلب أجود قريشًا كفًّا، وأوصلها، كما كان ينوِّه بقوله صلى الله عليه وسلم: هذا بقيّة آبائي).
وصفوا العبّاس فقالوا: كان شريفًا مهيبًا عاقلاً جميلاً أبيض بضًّا له ضفيرتان، معتدل القامة، مِن أطولِ الرِّجال، وأحسنِهم صورة، وأبهاهم، وأجهرِهم صوتاً، مع الحِلْمِ الوافر والسُّؤْدد، كما وسموه بالفطنة حدّ الدهاء.
أما الزبير بن بكَّار فقد أشار إلى ما كان إليه رضي الله عنه بين أهله وقبيلته قائلاً: كان للعباس ثوبٌ لعاري بنِي هاشم، وجفنةٌ لجائعهم، ومِنظرة لجاهلهم، وكان يمنع الجارَ، ويَبذُل المالَ، ويُعطي في النوائب.
أنجب العباس ذريّةً مباركة منها (حبر الأمة) عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، وخلفاء للمسلمين يربو عددهم على الثلاثين في عصر إسلاميّ ذهبي انتسب لاسمه.
فيما سُمِّيَ العبّاس بساقي الحرمين؛ ذلك أنّ مكرمة سقاية الحجيج في الحرم المكي انتهت إليه، فلما هلك عبدالمطلب بن هاشم ولي زمزم والسقاية عليها بعده العباس بن عبدالمطلب وهو يومئذ من أحدث إخوته سنًّا، فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وهي بيده فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم له في خطبته حين قال: (وإن مآثر الجاهلية موضوعة، غير السدانة والسقاية).
أما في الحرم المدني فعندما أصاب العباد قحط في عام الرمادة، خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – والمسلمون معه إلى الفضاء الرحب يصلون صلاة الاستسقاء، ويضرعون إلى الله أن يرسل إليهم الغيث والمطر، ووقف عمر وقد أمسك يمين العباس بيمينه، ورفعها صوب السماء وقال: (اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك وهو بيننا، اللهم وإنا اليوم نستسقي بعمِّ نبيك، فاسقنا) ولم يغادر المسلمون مكانهم حتى جاءهم الغيث، وهطل المطر، وأقبل الأصحاب على العباس يعانقونه ويقبلونه ويقولون: (هنيئًا لك ساقي الحرمين) وفي ذلك يقول ابن أخيه
بعمِّــي سقـى اللهُ الحجــازَ وأهلَــــــهُ
عـشـيّـةَ يـسـتـسـقـي بِشَـيْبَتـِـهِ عُـمَــــرْ
توجَّـــه بالعباسِ في الجدبِ راغبــــًا
إليه فمـا إنْ رامَ حتّى أتى المطــــــــرْ
ومنّـا رسـولُ اللهِ فـيـنـا تـراثُــــــــــه
فهـل فوقَ هـذا للمفـاخـــرِ مفتخـــــــرْ
وتسنح الفرصة لقريش أن تختبر العبّاس وترى صدق نواياه، فلمّا كانت غزوة بدر دفعته إلى معركة لا يؤمن بها ولا يريدها – في الوقت الذي أسلم فيه سرًّا – والتقى الجمعان ببدر وحمي وطيس المعركة، وطفق النبيّ صلى الله عليه وسلم ينادي أصحابه مخبرًا إياهم بمعرفته أنّ رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخْرِجوا مكرهين، ومنهم العباس بن عبد المطلب، فأوصى صلى الله عليه وسلم بعدم قتله أو قتلهم.
حينها.. أُسِر العبّاس وكُبّل، وأنَّ أنينًا آلَمَ الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى أَلَمَّ به الأرق وهجره السبات تلك الليلة، وحين سئل عن ذلك أفصح صلوات الله وسلامه عليه بقوله: (سمعت أنين العباس في وثاقه) فأسرع أحد الصحابة إلى الأسرى وأرخى وثاق العباس، فعلم الرسول صلى الله عليه وسلم بما حدث، وطلب من صاحبه أن يذهب ويرخي وثاق جميع الأسرى؛ ذلك أنّ الحبّ الكبير الذي منحه صلوات الله وسلامه عليه لعمه العباس، لم يكن ليميّزه عن سواه.
ولنا بالأفاضل وقفة أخرى كيما نواصل الحديث، ونستاف سويًّا من سير عاطرة، لرجالاتٍ كرام سطروا تاريخ الإسلام، غير آبهين بما قد يعوق طريقهم
























