(اللهمّ اغفر للعباس وولده مغفرةً ظاهرة وباطنة، لا تغادر ذنبًا اللهمّ اخلفه في ولده) رسول الله صلى الله عليه وسلم
نتابع الومض بما انطلقنا بالحديث عنه في العدد السابق، ونستهله بما نبض به مداد شاعر الإسلام حسان بن ثابت منشدًا في العباس بن عبدالمطّلب – رضي الله عنهما – إذ قال:
فلعلّ متتبعًا لسيرة العباس بن عبدالمطلب – رضي الله عنه – والذي أضرّ في أواخر عمره يجدها ذات صلة وثيقة بالكر والفر والنزال وأنّ له تقديرًا لدى الرجال، فمن ذاك ما كان يوم حنين، حيث كان المسلمون في أحد الأودية بانتظار مجيء عدوّهم الذي داهمهم بغتة، ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما أحدثه الهجوم المفاجىء، فَعَلا صهوة بغلته البيضاء وصاح بالمسلمين، ثمّ أمر عمّه العباس الذي كان جواره يتحدى الموت ويكابد الخطر أن يصرخ في الناس فصرخ، وكان رجلاً صيّتًا، فأجابوه: (لبيك، لبيك) وانفلّوا عائدين كالإعصار صـوب العباس، ودارت المعركة من جديد وغلبت خيل الله، وتدحرج قتلى هَوَازن وثقيف، فما زال ينادي حتّى أقبل الناسُ عُنُقًا واحدًا.
بيد أنه حين استأذن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الهجرة ردّ عليه الصلاة والسلام بقوله: (يا عمّ، أقم مكانَك الذي أنت فيه، فإنّ الله تعالى يختم بك الهجرةَ كما ختم بي النبوّة).
وللجفاء الذي عاناه بنو هاشم من بعض قريش، شكا العباس هذا الحال لابن أخيه المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال له: (والذي نفسي بيده، لا يؤمنون حتَّى يُحبُّوكم لله ولقرابَتِي).
وكان الخليفة عمر بن الخطّاب يشيد بإسلام العبّاس رضي الله عنهما قائلاً: (والله لإِسلاَمُك يوم أسلمتَ كان أحبَّ إليَّ من إسلامِ الخطاب لو أسلَمَ؛ لأنَّ إسلامَك كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب).
فما برح الصحابة والخلفاء يجللون قدر العباس ويعرفون مكانته حتّى أنّه كان إذا مرَّ بعمر أو بعثمان وهما راكبان، نزلاَ رضي الله عنهما حتى يُجاوِزهما إجلالاً لعمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمن أعذب ما قاله العبّاس في المدح، أبيات قالها في ابن أخيه صلى الله عليه وسلم منها:
وما أجلّ أن يكون الأدب الجمّ فارس الكلمة والمعنى، إذ برز خلقه من أجوبته المبهرة والمبهجة والتي خالط فيها ذكاؤه حكمته حين سألوه: أأنت أكبر أو النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فأجابهم بما فاجأهم: هو أكبر وأنا ولدتُ قبله.
وفي جمعة الرابع عشر من شهر رجب للسنة الثانية والثلاثين من الهجرة الشريفة، سمع أهل العوالي بالمدينة مناديًا ينادي: (رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب) فأدركوا أن العباس قد مات، وخرج الناس لتشييعه في أعداد هائلة لم تعهد المدينة مثلها، وصلى عليه خليفة المسلمين عثمان بن عفان – رضي الله عنه – ووري الثرى في بقيع الغرقد.
لتنطوي سيرة رجلٍ أدرك الإسلام، فأجزل في حبّه له وتفانى من أجله، وما كان من ضر قد أصابه إلا ليقوي عزيمته ويثبت إيمانه رضي الله عنه.. فرحمة من الله واسعة.
























