(اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)
رسول الله صلى الله عليه وسلم
لم يكن بين علماء عصره من أحضر فهماً ولا ألبّ لباً ولا أكثر علماً ولا أوسع حلماً منه.. هو ذاك البحر عبدالله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي.. ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم المولود في مكة.. والمحنّك بريق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وُصِف ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ فقيل أنّه كان جميلاً.. أبيض.. طويلاً.. مُشْرَباً صفرةً.. جسيماً وسيماً صبيحَ الوجهِ.. فصيحاً.
وأشار عبيد الله بن عبد الله بن عتبة إلى خصاله ـ رضي الله عنه ـ فقال: قد فات الناس بخصال: بعلمِ ما سبقه، وفقهِ ما احتيجَ إليه من رأيه، وحلم، ونَسَب، ونائلٍ، وما رأيتُ أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأى منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا بتفسير القرآن، ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أثقب رأياً فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يوماً ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوماً التأويل، ويوماً المغازي، ويوماً الشعر، ويوماً أيام العرب، ولا رأيت عالماً قطّ جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلاً قط سأله إلا وجد عنده علماً.
نهل علمه من منابعه الصافية.. في بيت النبوّة الطاهر.. وفي ذلك يشير ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ إلى هذا الخير والتميّز في قوله ـ رضي الله عنه: نحن أهل البيت، شجرة النبوة، ومُخْتَلَف الملائكة، أهل بيت الرسالة، وأهل بيت الرحمة، ومَعْدن العلم.
فما كان يمنحه الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان ضوءه ونوره ومن العلم جليله وغزيره.. فقد كان له في صدر المصطفى صلى الله عليه وسلم مكنون محبة ومكنوز مودّة.. إذ كان يغدقه بدعاء مخصوص ينفرد به دون سواه.. ذاك الدعاء الذي يعدّ ثراءً حقيقياً.. من أجله يصطبر صحابيّنا الجيل على ما تسفي الرياح؛ ليتوسّد الثرى عند أعتاب منازل العلماء ليضيف إلى ثروته من المعارف رصيداً يهنأ به في الدارين.
ففي لبِّ وقلبِ ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ تسكب مفردات هذا الدعاء الموشّى بأروع المعاني وأجلّ الأهداف (اللهمّ فقّهْه في الدين وعلّمه التأويل).. وفي لحظاتٍ أُخَر يضم المصطفى ابن عمّه (ابن عباس) إليه.. ويكسوه برقيق الدعاء وجميله: (اللهمّ علّمه الحكمة).
وكل مفردةٍ من مفردات هذا الدعاء تأخذ بالفتى القرشيّ المزدان بالصدق والصبر والأمانة والإخلاص والتفاني والدقة والحرص.. لأن يكون ماهراً في البحث عن درِّ العلوم ونفيس المعارف وفي بحرٍ لا نضوب له.. لينظم قلادة فاخرة يزيّن بها صدر تاريخ الإسلام.
ولله درّه من فتىً صغيرٍ في السنِّ.. كبير في المنزلة والمكانة.. لم يثنِه صغر سنِّه إذا ما قورن بعلماء عصره.. أن يشاطر علماء زمانه مجالسهم علماً وبحثاً وإفتاءً.. فالعلماء ما برحوا يفدونه ويبادرونه بالسؤال.. ويأخذون بفتواه ورأيه.. فقد قيل لطاووس: لزمتَ هذا الغلام، يعني ابن عباس، وتركت الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني رأيت سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تدارؤوا في شيء صاروا إلى قول ابن عباس.
فما انفكّ علماء عصره بكبرونه ويقدرونه ويودونه ويكرمونه، وبالمِثْلِ كان يكرمهم ويقدرهم.. فقد روي أنّ زيد بن ثابت (كاتب الوحي) رضي الله عنه ركب يوماً، فأخذ ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ بركابه، فقال: تنحّ يا ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا! فقال زيد: أرني يدك! فأخرج يده، فقبّلها.. فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا.
وللحق.. فقد قضى ابن عبّاس ـ رضي الله عنه ـ حياته حتى مماته.. بين أطايب العلم وعذبه.. مع أنه يُدرك أنّ العمى سيطرق نافذة عينيه.. ويعرّش على أهدابهما.. ولكن كيف.. ولماذا.. ومتى كُفّ بصر صاحب الكرامات والمآثر والفضائل والمناقب.. فلنا وقفة تالية في العدد القادم بإذن الله لإتمام حديثنا.
























