(مات والله اليوم حبر هذه الأمة) محمد بن الحنفيّة
لنا.. ولكم أيّها الأعزاء.. أن ندع للصحيفة حريّتها لأن تشرع دفّتيها كي نقرأ ما خطّته أنامل التاريخ المؤطّر بعبق السيرة.. فبين ومض مدادها ونبض حروفها.. نستقصي إجابة سؤالنا المشار إليه في مقالنا السابق.. كيف.. ولماذا.. ومتى كُفّ بصر صاحب الكرامات والمآثر والفضائل والمناقب.. عبد الله بن عبّاس ـ رضي الله عنه ـ ؟
ففي حادثةٍ تنمّ عن معجزة نبويّة شريفة في علم المستقبل.. والتي يعرفها يقيناً ابن عبّاس رضي الله عنه.. إذ يستقبل ساعة تحقّقها باعتزاز العارف وإكبار العالم.. وهو إذ ذاك يطرق باب العلم تعلّماً وتعليماً.. ويبادر غير متوانٍ في الإسهام ببناء أمجاد أمّة إسلاميّة عظيمة ذات أسس قويّةٍ وراسخة، لقواعد من مبادىء جليلة تجمع الآداب والسلوكيّات الدقيقة في حياة الفرد والمجتمع والأمة.
وهو الصحابيّ الذي أكرمه الله جلّ عُلاه برؤية الوحي جبريل عليه السلام.. عندما بعثه أبوه العبّاس ـ رضي الله عنهما ـ إلى النبي صلى الله عليه وسلام، فوجد عنده رجلاً، فرجع عبد الله ولم يكلّم الرسول صلى الله عليه وسلم، فلقي العباس النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، فقال له: أرسلتُ إليك ابني فوجد عندك رجلاً فلم يكلّمك.. فقال صلى الله عليه وسلام: (يا عمّ، تدري من ذاك الرجل؟ إنه جبريل..) ثمّ أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عمّه العبّاس أنّ ابنه لن يموت حتّى يذهب بصره.. ويؤتى علماً.
ألا وقد تحقّق ما تنبّأ به المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذهاب بصر عبد الله بن عبّاس ـ رضي الله عنه ـ قبل موته.. وفي الوقت ذاته نجد في سيرته ما هو ثرٌّ وثريّ في وصف رحلته الإيمانيّة التي تنمّ عن اجتهاداته ودأبه وشغفه في طلب العلم النافع وحرصه على استقائه من مصادره ومنابعه العذبة النقيّة.
ففي أواخر عمره، وبعد أن فقد بصره ـ رضي الله عنه ـ حجّ بالناسِ لمّا حُصِر عثمان بن عفّان ـ رضي الله عنه ـ وقال شعراً يحمل بين أعطافه عذوبة المعنى وروعة الإصرار على تفوّق البصيرة حين يغيب البصر:
وعندما مرض ابن عباس بالطائف.. ومعه نساؤه وأولاده ومحمد بن الحنفيّة قال: إنّي أموت في خير عصابةٍ على وجه الأرض، أحبّهم إلى الله، وأكرمهم عليه، وأقربهم إلى الله زُلْفى، فإن متُّ فيكم فأنتم هم. فما لبث ثماني ليالٍ بعد هذا القول حتّى توفي رضيَ الله عنه، فصلّى عليه محمد بن الحنفيّة، فأقبل طائرٌ أبيض فدخل في أكفانه، فما خرج منها حتى دفن معه، فلما سُوِّيَ عليه التراب، قال ابن الحنفيّة: مات والله اليوم حَبْرُ هذه الأمة.
نعم.. هذه بعض خصائص الرحلة الإيمانيّة لصحابيّ جليل منحته تربيته في بيت النبوّة الطاهر والممزوجة بفطرته وسماته أن يكون علماً من أعلام الإسلام وكبرائه.. بل.. ومناراً يهتدى به عبر التاريخ.. بصوابه نحو تحقيق الهدف.. متلقيّاً خبر عماه بصدرٍ واسع رحب.. متحدّياً كل التيارات.. ليقبل على الدنيا طالباً الوصول للآخرة ولسانه رطب بذكر الله.. وعقله وفؤاده مملوءان بالحكمة والموعظة.
فمن الله رحمة واسعة للبحر الذي وسع بعلمه ما خطّه التاريخ بأنامل من ضياءٍ وسناء من سيرة مزجت بالأمجاد والمفاخر.
للاستزادة
- أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير، ج 3 من ص 291 إلى ص 295.
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار المعرفة ـ بيروت ـ لبنان، رقّم كتبه وأبوابه وأحاديثه محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وتصحيح تجاربه محبّ الدين الخطيب، ج 7 ص 100.
- حياة الصحابة، ج 3 ص 3، 4، 15، 16 ـ ج 4 ص 90، 91، 175، 393 تأليف محمد يوسف الكاندهلوي (دار الفكر ـ بيروت) الطبعة الثانية 1401 هـ ـ 1981 م.
























