لله ما أبدعَ ما خلق.. وحسبك أنه لا أجمل ولا أطيب من امرىءٍ يجاهد نفس.. حين يطأ بقدميه الثابتتين على أرضٍ تنتشر فيها الفتن وملذات الحياة.. فيظلّ يواجه بالحزم مرّةً وباللين أخرى ما يعترضه من آلام ومصائب.. مقاوماً إياها بكل ما وُهبِ من قدراتٍ وإمكانات.. متخذاً التقوى طريقاً.. والهدى سبيلاً.
ورفيع بن مهران الرياحي واحدٌ ممن شاءت له المواقف أن يبصر حقائق الأمور.. في ظلِّ مصيبةٍ ألمّتْ به جعل منها مورداً قوياً وثرياً للخير والعطاء.. فأخذ بناء ذاته بناءً رصيناً ثابتاً من الشموخ والإباء لقاعدةٍ إيمانيّة صحيحة.
فبعد أن أسر رفيع بن مهران الرياحي في معركة عربية فارسية اشترته سيدة صالحة، تلمّست فيه منذ الوهلة الأولى الصلاح والفلاح، فما أن أسلم على يدِ أبي بكرٍ الصديق ـ رضي الله عنهما ـ وحسن إسلامه أعتقته سيدته ومنحته ولاءه، فشكر الله وأثنى.. وسخّر معظم وقته طلباً للعلم وحفظاً لكتاب الله الكريم وتعليمه.. كما أحبّ الجهاد في سبيل الله، ومناصرة دين الحق، فقاتل شرق الأرض وغربها، وصال وجال بخطوات يزيّنها الافتداء وبإقدام يجمّله الاحتساب لأهداف ساميةٍ نبيلة.
فتحوّل حال ذلك المملوك الرياحيّ الذي آمن بالقضاء إجلالاً وبالقَدَرِ إكباراً.. فبدّل وجه المصيبة من شرّها إلى خيرها.. بعد أن وظّف فطنته بما يحقّق من خلاله ما يصبو إليه كل مؤمن يقظ، إلى أن غدا إماماً زاهداً ومقرئاً وحافظاً ومفسرّاً، ثبتاً ثقةً، حتى قال عنه بعضُ معاصريه: ليس أحدٌ بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية رفيع بن مهران الرياحيّ.
وفي إحدى غزواته أصيبت إحدى رجليه بالتهاب شديد، فبادره الأطباء نصحاً ومشورةً بأن يبتر رجله الموجوعة خشية أن يمتدّ التهابها إلى باقيها فتفسد، على أن يتناول في ذلك مخدّراً يغيّبه عن وعيه كي لا يشعر بآلام البتر المبرحة، لكنّ أبا العالية أبى المخدّر بشدة، وأصرّ على أن يأتوه بقارىءٍ يقرأ القرآن الكريم عليه ويجود التلاوة، ثمّ أذِن لهم أن يقطعوا ما يشاءون من رجله، ففعلوا ما أراد، وهمّوا بقطعِ رجله من أعلى القدم، وهو إذ ذاك ثمل الأوجاع.. عظيم الآلام.. وما هي إلا لحظات تختزل المسافة بين الألم والأمل.. بين الحزن وحلو الرجاء.. ويغدو أبو العالية متوشّحاً أعظم وسام في الثبات والشجاعة ناله إثر صبره واحتسابه.. وكأن شيئاً لم يكن.. يمسك بيده الرجل المقطوعة مخاطباً إيّاها: (عزائي فيك أنني ما مشيت بك إلى فاحشة).
فلله درّك.. يا أبا العالية.. آثرت الآلام إحساساً وشعوراً.. وحسن الاصطبار على الابتلاء في النفس والجسد.. بعدما شحنت نفسك رضاً وثقةَ ويقيناً بالله وحده.. فكنت القدوة التي بها سّطر التاريخ أحرفه.. والعطر الذي انبعث من خمائل الخلق الكريم.. فلك الدعاء بالرحمة الواسعة..
ولنا أن نذكّر بقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: (ما يصيب المؤمن من وَصَبٍ ولا نَصَبٍ ولا سقمٍ ولا حَزَنٍ، حتّى الهمّ يَهُمُّه، إلا كفّر الله به سيئاته).
























