للحديثِ نافذةٌ تسربلُ منها رائحة وميضٍ يتوهّج بسيرةِ الصحابيّ الجليل عثمان بن مظعون، وهذا ما يجعلنا نخطّ بقلمنا على أفقِ سطورٍ تنبضُ بالشوقِ إتماماً لحديثِنا السابقِ؛ لنطلَّ على مكانته الطيّبة لدى خير البرية صلى الله عليه وسلم وصحابته الأكارم رضوان الله عليهم.
فبعد أن ردّ ابن مظعون رضي الله عنه للوليد بن المغيرة جواره، نزولاً عند رغبتِه في تلقّي الأذى بألوانِه كغيرِه من صحابةِ المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، إذ كان أذىَ يؤجّج في نفسِه روحَ الإيمان وريحها مسكا وعنبراً وأطايب.
ولكم أثّر فداؤه بعينِه في نفوسِ الصحابةِ رضوان الله عليهم بما حرّك الشعور وشقّ درباً لمواطن الشجو والشجن، فامتطى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه صهوة الكلمة فارساً يصولُ ويجول بمفرداتٍ غنيّة وثريّة امتزجت بما للموقف من عمق حيث يقول:
أمن تذكر دهر غير مأمون
أصبحت مكتئباً تبكي كمحزون
أمن تذكر أقوام ذوي سفه
يغشون بالظلم من يدعو إلى الدين
لا ينتهون عن الفحشاء ما سلموا
والغدر فيهم سبيل غير مأمون
ألا ترون ـ أقلّ الله خيرهم ـ
أنّا غضبنا لعثمان بن مظعون
إذ يلطمون ولا يخشون مقلته
طعناً دراكاً وضرباً غير مأفون
فسوف يجزيهم إن لم يمت عجلاً
كيلاً بكيلٍ جزاء غير مغبون
هذا، وقد مكّنَ اللهُ في نفسِ نبيّه صلى الله عليه وسلم محبّةً عظيمةً لابن مظعون، فلمّا تهيّأت روح عثمان الطاهرة للرحيل ليكون صاحبها أوّل المهاجرين وفاةً بالمدينة، وأوّل المسلمين دفناً بالبقيع، وقف الرسول صلى الله عليه وسلم موقفاً مؤثراً أمام المصاب الجلل كما يرويه لنا ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما.
دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون رضي الله عنه يوم مات فأحنى عليه كأنّه يوصيه، ثمّ رفع رأسه فرأوا في عينيه أثر البكاء، ثمّ أحنى عليه الثانية ثمّ رفع رأسه فرأه يبكي، ثمّ أحنى عليه الثالثة، ثمّ رفع رأسه وله شهيق، فعرفوا أنه قد مات، فبكى القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مه! إنّما هذا من الشيطان، فاستغفروا الله! ثم قال: اذهب عنك أبا السائب! فلقد خرجت ولم تتلبّس منها بشيء.
فما فتىء الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر صاحبه ابن مظعون رضي الله عنه بعد موتِه ويثني عليه، حتّى لقد كانت كلمات وداعِه عليه الصّلاة والسلام لابنته رقيّة رضي الله عنها حين فاضت روحها الطاهرة: (الحقي بسلفنا الخيِّر، عثمان بن مظعون).
أما امرأة ابن مظعون فقد زلزلها رحيل خِدْنِها رضى الله عنهما، فأفصح الحرف عمّا ورثته من مواجع ولواعج بوداعيّة شجيّة ومؤثّرة:
يا عين جودي بدمعٍ غير ممنون
على رزيّة عثمان بن مظعون
على أمرئ بات في رضوان خالقه
طوبى له من فقيد الشخصِ مدفون
طاب البقيع له سُكنى وغرقده
وأشرقت أرضه من بعد تفتينِ
وأورثَ القلبُ حزناً لا انقطاع له
حتّى الممات فما ترقى له شؤني
ولأنّ حياتَه كانت قد طُرِّزتْ بالصبرِ ونُسِجت بالإيمان، فقد رأتْ أمُّ العلاء لعثمان بن مظعون عيناً تجري، فجاءت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته برؤياها، فقال صلوات الله وسلامه عليه: ذاك عمله.
فخير الحديثِ ومسكِه نختمه بما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد أن انكبَّ عليه يقبّله عندما دخل عليه في الموت: (رحمك الله يا عثمان، ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك).
























