من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عُروة بن الزبير«
عبد الملك بن مروان
تطلّع لحياته بأمان خضراء جميلة، نثرها لآلىء نور وهدىً في لبّه الخصب، مازجاً إيّاها بتقواه وانكبابه طلباً للعلم، وملازمة للبقية الباقية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ يرتاد بيوتهم، ويصلّي خلفهم، ويتتبّع مجالسهم، ويروي عنهم، ويرتوي من ينابيعهم النقيّة، حتّى غدا أحد فقهاء المدينة السبعة.
هو ذاك عروة بن الزبير القرشي الأسدي المدنيّ، ابن حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم المبشّر بالجنة، أمه أسماء بنت أبي بكر، وجدّته لأبيه صفيّة بنت عبد المطلّب، وخالته أمّ المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ عالمٌ فقيهٌ زاهدٌ ثقةٌ بحرٌ لا تكدّره الدّلاء، ولِد في السنة الثالثة والعشرين للهجرة، ونشأ في بيت من أعزّ بيوت المسلمين شأناً، وأرفعها مقاماً وشرفاً.
شاءت الأقدار في خلافة الوليد بن عبد الملك أن يقف عروة بن الزبير أمام عاصفة الحزن ثابتاً بفؤاده العامر بالإيمان نضارةً وإشراقاً.
وذلك عندما لبّى دعوة خليفة المسلمين لزيارته في دمشق، مصطحباً أحد أبنائه.. فحدث ما لم يكن بالحسبان، إذ أنّ ابن عروة ركلته بغلة في اصطبل الوليد أودت بحياته. فما برحت جراح عروة المكلوم توقف نزفها بعد دفنه ابنه، حتى شئفت إحدى رجليه وأصابتها الآكلة (الغرغرينا) فترقّتْ إلى ساقه، ومنها إلى الركبة، فعظم ألمه واشتدّ بلاؤه.
واستدعى الخليفة لأجله الأطباء من كلّ صوب، فأجمعوا على بتر ساق عروة؛ خشية سريان الورم لباقي جسده.
فلما حضر الطّبيب لبتر السّاق، قال لعروة: أرى أن نسقيك شراباً يزول فيه عقلك؛ لكيلا تجد لها ألماً.
فردّ عروة: امض لشأنك.. لا أستعين بحرام على ما أرجوه من العافية، وما أحبُّ أن أسلب عضواً من أعضائي دون أن أشعر بألمه.
وما أن همّ الطبيب ببتر السّاق، ما رضي عروة لأحد من الرجال أن يمسكه، مكتفياً بالذكر والتسبيح.
بعدها أخذ الطبيب يقطع اللحم، وينشر العظم بالمنشار، وعروة يهلّل ويكبّر، حتى بترت ساقه، وهو على صوم، فما تضوّر وجهه.
وقد تمثّل بأبيات معن بن أوس:
لَعَمْرُكَ مَا أهْوَيْتُ كَفِّي لِريبَةٍ
وَلا حَمَلَتني نَحْوَ فاحِشَةٍ رِجْلِي
وَلا قَادَنِي سَمْعِي وَلا بَصَرِي لَهَا
وَلا دَلَّنِي رَأْيِي عَلَيْهَا وَلا عَقْلِي
وَأَعْلَمُ أنّي لَمْ تُصِبْني مُصِيبَةٌ
مِنَ الدَّهْرِ إلا قَدْ أصَابَتْ فتىً قَبْلِي
ولا ريب أنها ليلة يتيمةٌ في حياة عروة غاب فيها عن خير المصحف الشريف منذ خادنه في شبابه، فيما اعتاد أن يقرأ ربع القرآن الكريم كلّ يوم.
عن عبد الله بن عروة قال: نظر أبي إلى رجله في الطّست، فقال: إن الله يعلم أنّي ما مشيت بك إلى معصية قطّ وأنا أعلم.
ولمّا عرف أهل المدينة بوصول إمامهم وعالمهم عروة بن الزّبير انكبّوا على بيته مواسين معزّين.
وكان أحسن من عزّاه إبراهيم بن محمّد بن طلحة، حيث قال له: والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أربٌ في السّعي، وقد سبقك عضوٌ من أعضائك وابنٌ من أبنائك إلى الجنّة، والكلّ تَبَعٌ للبعضِ إن شاء الله، وقد أبقى الله لنا منك ما كنّا إليه فقراء، من علمك ورأيك، والله وليّ ثوابك والضَّمينُ بحسابك ??
وللحديث عن عالمنا وفقيهنا عروة بن الزّبير بقيّة
























