لويجي بيراندللو.. أهم كتاب القرن العشرين في العالم (1867- 1936)، استطاع أن يكون بطل التيار الثالث في الأدب الإيطالي الحديث بما أبدعه من ذخيرة أدبية ودرامية في الشعر والقصة والرواية والمسرح، وهو ما استحق عليه جائزة نوبل للآداب التي حصل عليها سنة 1934م.
وكأي كاتب مبدع آخر، تأثر بيراندللو كثيراً بالمحيط الذي عاش فيه وبظروفه الشخصية والمعاناة التي كابدها وتجرع قسوتها والتي كانت سبباً وراء بزوغ نجمه وتألقه في عالم الأدب والمسرح.
عاش بيراندللو طفولته في بيت ريفي في صقلية التي ولد فيها، كانت الأسرة تحتمي بذلك البيت هرباً من وباء الكوليرا الذي كان منتشراً في المدينة، واقترح عليه والده أن يتزوج ابنة شريكه في أحد المناجم وتدعى انتونيتا التي تلقت تعليمها لدى الراهبات، وبالفعل تم الزواج بسهولة، وعاشا في البيت الريفي في حالة من الضيق والتوتر، ازدادت معها مطالب الزوجة وتصاعدت حالتها العصبية حتى قادتها إلى المصح، بينما كان بيراندللو الموظف في ديوان جامعة روما بشكل مؤقت يضطر إلى ممارسة عمل إضافي في تدريس اللغة الايطالية للأجانب.
وبالإضافة إلى مشاكل انتونيتا العقلية، كانت هناك حادثتان حصلتا في حياته دفعتا به إلى إنتاجه الأدبي الغزير، وإلى التعبير أكثر بطريقة وأسلوب التجريب وضمن اتجاهات أدبية عدة: الأولى ميلاده فوق تراب صقلية البائسة في الجنوب الإيطالي، حيث لاحظ تبايناً شاسعاً بين مستوى المعيشة في الشمال الغني وبين مستواها في الجنوب المتواضع، والثانية هي صحوة فلاحي صقلية في نهاية القرن التاسع عشر التي زرعت في نفسه بذور النزعة الاشتراكية التي تجلت في كتاباته المختلفة، فراح يكتب عن الفقراء والمعوزين، محاولاً عبر الكلمة رفع الظلم عن أبناء وطنه في الجنوب وتنمية الأرض الزراعية هناك، وحماية رجال المناجم التعساء وسواهم من شرائح المجتمع البائسة.
لذلك، اُعتبر لويجي بيراندللو في عداد الرجال التعساء في العالم، ولم تكن شهرته الواسعة أو جائزة نوبل للآداب التي نالها عام 1934 كافيتين للتخفيف من أعباء تعاسته وشقائه، فقد ظل يتشهى الموت ويفكر بالانتحار ويلوذ بالعزلة، منطوياً على همومه الشخصية التي بدأت مع زواجه من انتونيتا ولم تنته بالكارثة الاقتصادية التي حلّت على عائلته حين دمر فيضان هائل منجم والده فأثر ذلك كثيراً على حياته الاجتماعية والنفسية.
كانت انتونيتا قد استسلمت لجنون الغيرة الذي ورثته عن أبيها والذي تسبب في وفاة أمها عندما رفض أن يعالجها الطبيب لأنه رجل، واتهمت انتونيتا زوجها بعلاقات وهمية من صنع خيالها، فكانت تراقب كل تحركاته وتختبئ وراء الأشجار ترصد ما يدور حوله في جامعة روما، وطلبت منه الافتراق، ولكنه كان يرفض تركها وهي في مثل هذا الوضع الخطير، حيث عاشت معه ربع قرن، حتى أصيبت بانهيار عصبي فلم يكن أمامها إلا الدخول إلى مصح في روما بقيت فيه أربعين عاما حتى وفاتها عام 1959.
بيراندللو صوت من لا صوت لهم، صوت البسطاء والحالمين، كما في نتاجه الأدبي، هو من الشرائح الفقيرة عامل، فلاح، حارس قبور، سائق عربة الموتى، موظف، فتاة عانس، عاشقة خائبة حيث كان الواقع شديد الالتصاق به في قصصه ومسرحياته التي وصفها الفيلسوف والسياسي الإيطالي أنطونيو غرامشي بالقول: «مسرحياته أشبه بقنبلة تثير حمماً بركانية تنفجر في عقول المشاهدين»، مثيرة في تلك العقول الجامدة أسئلة حائرة ومقلقة.

ويرى النقاد ان بيراندللو جرّب في كتاباته أساليب عدة؛ الرومانسية، الواقعية، التعبيرية، الرمزية… لكنه بقي مع اختلاف الأساليب والرؤى، مخلصاً لرسالته ككاتب ملتزم بقضايا إنسانية جوهرية، تمحورت حول الحب والصداقة والموت والحنين والانتظار والخيانة والأمل والبؤس والعزلة… وهو يقارب هذه الموضوعات بأسلوب واقعي يسعى إلى رسم تفاصيل الحياة في بلده إيطاليا في العقود الأولى من القرن المنصرم يستعين بالذاكرة قليلاً، ويركز على مشاهداته وانطباعاته، فيلتقط من مسرح الحياة وكواليسه المنسية وقائع إنسانية بسيطة في خطها الدرامي، هادئة في نبرتها، لكنها مفعمة بالتراجيديا والألم والانكسار.
وعلى رغم من كتابته في الأجناس الأدبية المختلفة كالقصة، والرواية، والمسرح، والشعر غير أن شهرته ذاعت بشكل واسع في مجال المسرح، إذ برز في هذا الحقل كواحد من أهم المسرحيين، فكان لمسرحياته (الحياة التي وهبتها لك)، (الليلة نرتجل)، (حسب تقديرك)، (هنري الرابع)، (لذة الأمانة)، (لعبة الأدوار)، (لا أحد يعرف كيف حدث)، (كل شيخ له طريقة)، (سيد الباخرة)، تركت أثراً رائعاً على مسيرة المسرح العالمي في القرن العشرين، وتأثر بها كبار كتاب المسرح في العالم من أمثال: صاموئيل بيكيت، جان جنيه، يوجين يونسكو، جان جيرودو، جان أنوي، ادوارد ألبي، ثورنتون وايلدر ورائد المسرح الأمريكي: يوجين اونيل، فأسئلته عن الكينونة ومغزاها: من أنا ومن أكون؟ وأسئلته عن الخلاص وعبث انتظار الخلاص، وأسئلته عن اللغة وجدواها وتشكيكه في جدواها، هي أهم الركائز التي اعتمدها وقدّم لها مسرح العبث فيما بعد.
كما فجّرت مسرحية (ست شخصيات تبحث عن مؤلف) جدلاً واسعاً، من حيث استخدامه نظرية المسرح داخل المسرح كمخرج مسرحي، بعدها يتكون مسرح يحمل اسمه في نيويورك، كما يؤلف بنفسه فرقة مسرحية يجوب بها عدة دول أوروبية مؤكداً في فلسفته الدرامية أحداث مسرحية بسيطة تقوم عليها عُقدة الدراما، لكنها عصرية لحماً ودماً، عامداً إلى تفكيك تيارات الدراما من الداخل ليضع محلها شكلاً درامياً آخر يحوطها داخلياً وخارجياً أيضاً يفوح بأوصال الحقيقة عن الحياة القائمة، فالحقيقة من وجهة نظره نسبية، إذ من الصعب ـ إن لم يكن من المستحيل ـ أن تتعرف على حقيقة الحياة، لأن كل ما يحدث ما هو إلا تغّير في الأحاسيس وتكوين لأحاسيس أخرى، هكذا تبدو مسرحيته الليلة نرتجل.

إن مسرح بيراندللو يعتمد على سرد التفاصيل من دون إسراف، مع الاعتناء بالحوار المختزل والوصف المعبر، وكذلك الاهتمام بنوع من التشويق القائم على تأجيل المغزى والإعلان عنه عند النهاية، كما يسبغ، أحياناً، على مفردات المكان وأشيائه نوعاً من (الأنسنة)، كما أن مسرحه يكشف عن التناقض بين الحياة والصورة، فالحياة لكي تسير بانتظام لابد أن تتآكل، ولكي تتشكل لابد أن تكون لها صورة ثابتة ومن ثم يكون التناقض والصراع الدائم بين ضرورات الحياة ومتطلباتها.
ومع كل هذه الصورة الناصعة في المسرح والأثر الغزير والكبير، تبقى الكتابة عند بيراندللو في الأساس هي القصة. كتبها في البداية ليعتاش منها، إذ كان فقيراً، وزعها على الصحف لقاء بعض المال، رماها أحياناً في الهواء، ولاحقاً أتى النجاح والشهرة ونوبل، فثابَرَ على القصة، ذاك أنه شبه مدمن على كتابتها، ولأنها جوهر أعماله. صحيح أنه يدين للمسرح بـمجده العالمي، لكن مسرحياته ورواياته، تدين بكل ذرة منها لقصصه، إذ عبر القصة يتجسد إبداعه، ومنها يستل شخصياته، وبها يُثبت ذاته ويفرضها، ومن خلالها يتجلى.
























