(والله! ما في القوم أحذ بعضه في الجنة غيرك)
عمر بن الخطاب رضي الله عنه
بورك صدر الإسلام ببيوتات حفها الإيمان وجملها حس المسؤولية والإنسانية معاً؛ نشرٌ لدين عظيم وحمايةٌ له وإذلالاً للصعاب التي تواجهه وهزماً للمعوقات التي تعوقه.
والتاريخ يومض شرفاً ويتوهج فخراً باحتواء درر رائعة من بيوتات حصيفة تخرج منها بناة الإسلام وقدوته، كذي النور والد شخصيتنا الذي رأينا التلميح له أولاً وذلك لامتزاج سيرته بعبق مشترك مع ابنه رضي الله عنهما.
الطفيل بن عمرو الدوسي كان سيد دوس في الجاهلية، وشريفاً من أشراف العرب المرموقين، أديب أريب لبيب وشاعر مرهف الحس رقيق الشعور.
أسلم على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دعا لقومه: (اللهم اهدِ دوساً)، كما دعا له صلى الله عليه وسلم: (اللهم نور له) فسطع نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا إنه مثلة، فتحول النور إلى طرف سوطه، وكان يضيء في الليلة المظلمة.
وبعد إسلام جميع قومه على يديه، عاد الطفيل بن عمرو رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات ملازماً له في المدينة المنورة حتى قُبض صلى الله عليه وسلم.
فلما نشبت حروب الردة نفر الطفيل وابنه عمرو في طليعة جيش المسلمين لحرب مسيلمة الكذاب، وفيما هو في طريقه إلى اليمامة رأى رؤيا، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا فعبّروها لي. فقالوا: وما رأيت؟
قال: رأيت أن رأسي قد حلق، وأن طائراً خرج من فمي، وأن امرأة أدخلتني في بطنها، وأن ابني عمراً جعل يطلبني حثيثاً فحيل بيني وبينه. فقالوا: خيراً. فقال: أما أنا ـ والله ـ لقد أوّلتُها. أما حلقُ رأسي فقطعُهُ، وأما الطائر الذي خرج من فمي فهو روحي، وأما المرأة التي أدخلتني في بطنها فهي الأرض تحفر لي فأدفن في جوفها، وقد روّعْتُ أن أقتلً شهيداً. وأما طلب ابني إياي، فما أراه إلا سيعذرُ في طلب الشهادة، لكنه يدركها فيما بعد.
نعم، استشهد الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو بطلاً كما رأى وعبر، وأصيب ابنه عمرو بجراح بالغة وقطعت يمناه، فعاد إلى أرض طيبة الطيبة مخلفاً على أرض اليمامة أباه ويده، وارثاً عن أبيه سمة الشجاعة وحب النزال والنضال ومحاربة الكفر والدفاع عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ودينه الحق.
وهذا موقف تتألق فيه مظاهر الرعاية الإنسانية التي توشح الخلافة الإسلامية ممثلة في خلفائها الراشدين الذين أخذوا من بيت النبوة وكنفه الطاهر سلوكهم وكيفية تعاملهم وحسن أدبهم مع رعيتهم تقديراً واعتزازاً لصبرهم وثباتهم واحتسابهم ورفع ما يقف عائقاً أمامهم.
فبينما كان عمرو عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ إذ أتى عمر بطعام فتنحى عمرو بن الطفيل عنه، فقال له الفاروق ـ رضي الله عنه: ما لك تنحيّت لمكان يدك؟ فرد عمرو: أجل. قال عمرو: لا والله! لا أذوقه حتى تسوطه بيدك، فواللهِ ما في القوم أحدٌ بعضه في الجنة غيرك. يريد بذلك يده المقطوعة إثر الجهاد.
ظلت الشهادة أمنية لا تفارق عمرو بن الطفيل منذ أن فارق أباه، فما زال يذكر رؤيا أبيه وتعبيره لها، فلما كانت معركة اليرموك بادر إليها مقداماً ليلحق بأبيه ويده، وقد أتمت الرؤيا تحقيقها، إذ قتل عمرو بن الطفيل شهيداً في ذات المعركة وفي زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فرحمة الله على عمرو بن الطفيل، فهو الشهيد ابن الشهيد .
























