يمكن القول إن الدول ذهبت في تعريف مبدأ مصالح الطفل الفضلى إلى مذهبين الأول يذهب إلى التضييق من هذا المبدا حيث يقوم هذا الرأي على حصر تعريف مبدأ مصالح الطفل الفضلى بالمبادئ العامة الواردة في المواد (2، 3، 6، 12) من اتفاقية حقوق الطفل(1).
ومبدأ مصالح الطفل الفضلى وفق هذا الرأي له ثلاثة أبعاد هي:
- حق أساسي: وهو حق الطفل، سواء أكان ذكر أم أنثى، في تقديم مصالحه الفضلى وايلاء الاعتبار الأول لها عندما تبحث المصالح المختلفة للتوصل إلى قرار بشأن المسألة المطروحة، وضمان إعمال هذا الحق كلما اتخذ قرار بشأن طفل ما أو بشأن مجموعة من الأطفال المحددي الهوية أو غير المحددي الهوية أو الأطفال بوجه عام. وتفرض الفقرة 1 من المادة 3 التزاما جوهريا على الدول (التنفيذ الذاتي) وتنطبق مباشرة ويمكن الاحتجاج بها أمام المحاكم الداخلية للدول الأطراف.
- مبدأ قانوني تفسيري: ويعني عندما يكون هناك أكثر من تفسير للحكم القانوني فينبغي أن يقع الخيار على التفسير الذي يخدم مصالح الطفل الفضلى بشكل أكثر فعالية. وتوفر الحقوق المكرسة في الاتفاقية وفي بروتوكولها الاختياري الإطار اللازم للتفسير.
- قاعدة إجرائية: كلما اتخذ قرار يكون له تأثير على طفل محدد الهوية أو مجموعة محددة الهوية من الأطفال أو الأطفال بوجه عام، فيجب أن تشمل عملية اتخاذ القرار تقييما للتأثير المحتمل (الايجابي أو السلبي) المترتب للقرار على الطفل أو على الأطفال المعنيين.
ويقتضي تقييم مصالح الطفل الفضلى وتحديدها ضمانات اجرائية. وإضافة إلى ذلك، فإن مبرر اتخاذ القرار يجب أن يثبت أن حق الطفل قد روعي بشكل صحيح. وفي هذا الخصوص، يجب أن توضح الدول الأطراف كيفية احترام الحق في القرار المتخذ، أي أن تبين العناصر التي اعتبرت أنها تخدم مصالح الطفل الفضلى، والمعايير التي استندت إليها في ذلك، وكيفية ترجيح مصالح الطفل على الاعتبارات الأخرى سواء أكانت قضايا واسعة تخص السياسات العامة أم حالات فردية(2).
ولا يعد مبدأ مصالح الطفل الفضلى مبدأ جديداً والواقع أنه سابق لظهور الاتفاقية وهو مكرس بالفعل في إعلان عام 1959 لحقوق الطفل في المادة 2 وفي اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المادتان (5 (ب) و16 الفقرة 1 (ء) وكذلك في الصكوك الإقليمية وكثير من القوانين الإقليمية والوطنية(3).
ويتسم مبدأ المصالح الفضلى للطفل وفقا لهذا الرأي بالتعقيد ويجب تحديد مضمونه على أساس كل حالة على حدة. وإن عملية تفسير الفقرة 1 من المادة 3 وتنفيذها بما يتماشى مع الأحكام الأخرى للاتفاقية ستتيح للمشرع والقاضي والسلطة الإدارية أو الاجتماعية أو التربوية إمكانية توضيح المفهوم والاستفادة منه بشكل ملموس. ووفقا لذلك، فإن مفهوم مصالح الطفل الفضلى مرن وقابل للتكييف. وينبغي تعديل هذا المفهوم وتحديده على أساس فردي وفقا للحالة الخاصة للطفل أو للأطفال المعنيين، بمراعاة أوضاعهم الشخصية وظروفهم واحتياجاتهم.
وفيما يخص القرارات الفردية، يجب تقييم مصالح الطفل الفضلى وتحديدها في ضوء الظروف الخاصة بطفل معين. أما بالنسبة للقرارات الجماعية، كالقرارات التي يتخذها المشرع، فيجب تقييم مصالح الطفل بوجه عام وتحديدها في ضوء ظروف مجموعة معينة أو الأطفال بوجه عام. وفي الحالتين كلتيهما ينبغي تقييم هذا المبدأ وتحديده بالمراعاة الكاملة للحقوق الواردة في الاتفاقية وفي بروتوكولاتها الاختيارية(4).
بينما يذهب الرأي الثاني إلى توسيع مبدأ مصالح الطفل الفضلى حيث يستند أصحاب هذا الرأي إلى المبدأ التاسع من الإعلان العالمي لحقوق الطفل لسنة 1959(5).
وبهذا المعنى فإن مبدأ مصالح الطفل الفضلى يتضمن عدة معاني أو حقوق أو حريات للطفل يجب إدماجها بطريقة ملائمة وتطبيقها بطريقة منسقة في جميع الإجراءات التشريعية والتنفيذية والقضائية وفي كافة السياسات والبرامج والمشاريع ذات الصلة بالطفولة والتي لها أثر على الأطفال مما يستوجب نشرها بين مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة والخاصة والمحاكم والسلطات التنفيذية والهيئات التشريعية.
كما ينبغي أن يرتكز التعليل القانوني لجميع الأحكام القضائية والإدارية على هذا المبدأ ومنها احترام آراء الطفل خصوصا ما يتعلق منها بسن الاقتراع الذي يجب أن يكون 16 سنة والحقوق والحريات المدنية المنصوص عليها في المواد 7 و8 و13 و14 و15 و16 و17 و19 و37 من اتفاقية حقوق الطفل وحماية خصوصية الطفل دون الإشارة إلى أي عبارة يمكن أن تدرج في سجل الطفل المدني أو في هويته تتضمن انتهاكاً لحقوقه الواردة في المواد 6 و7 و8 و9 والحرص على أن تحمي وسائل الأعلام في تقاريرها الإخبارية المتعلقة بالإجراءات الجنائية التي تشمل ضحايا من الأطفال أو الأطفال المتهمين بارتكاب جرائم جنسية وحمايتهم من الإغراء على شبكة الإغراء أو بواسطة الهواتف النقالة وتوعية الأطفال والقائمين على رعايتهم بالمخاطر الناجمة عن إساءة الأطفال استخدام وسائط الإعلام الإلكترونية مع احترام حقهم في الحصول على المعلومة ويشمل المصطلح كذلك العنف ضد الأطفال وأشكال التدريب الايجابية والبديلة من قبل الوالدين وتوعية المدرسين بما للعقوبة من أثر سيء فوري وطويل الأجل بما في ذلك الأثر النفسي والبدني.
ويشمل كذلك التدابير الرامية إلى تشجيع الضحايا من الأطفال على التبليغ عن حالات العنف والإساءة والإهمال ولا سيما في مؤسسات الرعاية البديلة ومؤسسات رعاية الأطفال ذوي الإعاقة ومراكز احتجاز المهاجرين ومعاقبة ومقاضاة مرتكبي هذه الأفعال وحظر القوانين التي تشوه الأعضاء التناسلية الأنثوية وتنظيم حالات التبني وفقاً لاتفاقية لاهاي 1993 وحماية الأطفال من الإعاقة وتقديم الخدمات الصحية الأساسية والرعاية الاجتماعية (المواد 6 و18 و23 و24 و26 و27 من الاتفاقية)(6).
ويفسر أصحاب هذا الرأي الفقرة الأولى من المادة 3 من اتفاقية حقوق الطفل تفسيراً موسعاً مستندين إلى التحليل القانوني الوارد في التعليق رقم 14 فالمقصود (في جميع الإجراءات التي تتعلق بالطفل) ويعني ذلك وجوب ايلاء الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى في كل إجراء يتعلق بالطفل أو بالأطفال. ولا يشمل تعبير (الإجراء) القرارات فحسب بل أيضا الأفعال والتصرفات والاقتراحات والخدمات والإجراءات وما إلى ذلك من التدابير.
ويشير مصطلح (التي تتعلق) إلى التدابير والقرارات التي تخص بصورة مباشرة الطفل والأطفال كمجموعة أو الأطفال بوجه عام، وثانياً إلى التدابير الأخرى التي تؤثر على الطفل والأطفال كمجموعة أو الأطفال بوجه عام حتى وإن لم يستهدفهم التدبير المتخذ مباشرة.
إن التزام الدول بايلاء الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى هو التزام شامل يضم جميع مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة والخاصة والمحاكم والسلطات الإدارية والهيئات التشريعية التي تتعاطى مع شؤون الأطفال أو تخصهم. وينبغي عدم حصر (مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة أو الخاصة) في إطار ضيق أو جعلها مقصورة على المؤسسات الاجتماعية بالمعنى الضيق للكلمة، بل ينبغي أن تفهم على أنها تعني جميع المؤسسات التي تؤثر أعمالها وقراراتها على الأطفال وعلى اعمال حقوقهم. ولا تشمل هذه المؤسسات تلك التي تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فحسب (مثل مؤسسات الرعاية والصحة والبيئة والتعليم ودوائر الأعمال والترفيه والتسلية وما إلى ذلك) بل تشمل أيضا المؤسسات التي تتعامل مع الحقوق المدنية والحريات (مثل تسجيل الولادات والحماية من العنف في جميع الظروف وما إلى ذلك).
وتشمل مؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة منظمات القطاع الخاص، التي تستهدف الربح منها أو التي لا تستهدفه، والتي تؤدي دوراً في توفير خدمات تكون أساسية لكي يتمتع الأطفال بحقوقهم والتي تعمل بالنيابة عن الخدمات الحكومية أو إلى جانبها بوصفها مؤسسات بديلة. كما أن عبارة (المحاكم) تشير إلى جميع الإجراءات القضائية في جميع الحالات سواء التي يعمل بها قضاة مهنيون أو أشخاص عاديون وجميع الإجراءات ذات الصلة التي تتعلق بالأطفال دون قيد. ويشمل ذلك عمليات التوفيق والوساطة والتحكيم. وفي القضايا الجنائية، يطبق مبدأ مصالح الطفل الفضلى على الأطفال المخالفين للقانون (أي الذين يدعى أنهم انتهكوا القانون أو يتهمون بذلك أو يثبت عليهم ذلك) أو الذين يحتكون بالقانون (كضحايا أو كشهود) إضافة إلى الأطفال الذين يتأثرون بحالة آبائهم المخالفين للقانون(7).
الحواشي:
- لجنة حقوق الطفل، النظر في التقارير المقدمة من الدول الاطراف بموجب المادة 44 من اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989، ايسلندا، 2011، ص 6 تنص المادة الثانية من اتفاقية حقوق الطفل اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 44/25 المؤرخ في 20 تشرين الثاني / نوفمبر 1989 تاريخ بدء النفاذ: 2 أيلول / سبتمبر 1990، وفقا للمادة 49: 1 ـ المادة الثانية:
- تحترم الدول الأطراف الحقوق الموضحة في هذه الاتفاقية وتضمنها لكل طفل يخضع لولايتها دون أي نوع من أنواع التمييز، بغض النظر عن عنصر الطفل أو والديه أو الوصي القانوني عليه أو لونهم أو جنسهم أو لغتهم أو دينهم أو رأيهم السياسي أو غيره أو أصلهم القومي أو الإثني أو الاجتماعي، أو ثروتهم، أو عجزهم، أو مولدهم، أو أي وضع آخر..
- تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتكفل للطفل الحماية من جميع أشكال التمييز أو العقاب القائمة على أساس مركز والدي الطفل أو الأوصياء القانونيين عليه أو أعضاء الأسرة، أو أنشطتهم أو آرائهم المعبر عنها أو معتقداتهم.
بينما تنص المادة الثالثة من ذات الاتفاقية على:
- في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال، سواء قامت بها مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة أو الخاصة، أو المحاكم أو السلطات الإدارية أو الهيئات التشريعية، يولي الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى.
- تتعهد الدول الأطراف بأن تضمن للطفل الحماية والرعاية اللازمتين لرفاهه، مراعية حقوق وواجبات والديه أو أوصيائه أو غيرهم من الأفراد المسؤولين قانونا عنه، وتتخذ، تحقيقا لهذا الغرض، جميع التدابير التشريعية والإدارية الملائمة.
- تكفل الدول الأطراف أن تتقيد المؤسسات والإدارات والمرافق المسؤولة عن رعاية أو حماية الأطفال بالمعايير التي وضعتها السلطات المختصة، ولا سيما في مجالي السلامة والصحة وفي عدد موظفيها وصلاحيتهم للعمل، وكذلك من ناحية كفاءة الإشراف.
وتنص المادة السادسة على:
- تعترف الدول الأطراف بأن لكل طفل حقا أصيلا في الحياة.
- تكفل الدول الأطراف إلى أقصى حد ممكن بقاء الطفل ونموه.
تنص المادة الثانية عشر على:
- تكفل الدول الأطراف في هذه الاتفاقية للطفل القادر على تكوين آرائه الخاصة حق التعبير عن تلك الآراء بحرية في جميع المسائل التي تمس الطفل، وتولى آراء الطفل الاعتبار الواجب وفقاً لسن الطفل ونضجه.
- ولهذا الغرض، تتاح للطفل، بوجه خاص، فرصة الاستماع إليه في أي إجراءات قضائية وإدارية تمس الطفل، إما مباشرة، أو من خلال ممثل أو هيئة ملائمة، بطريقة تتفق مع القواعد الإجرائية للقانون الوطني.
- لجنة حقوق الطفل، التعليق العام رقم 14 (2013) المتعلق بحق الطفل في ايلاء الاعتبار الأول لمصالحه الفضلى (الفقرة 1 من المادة 3)، اعتمدته اللجنة في دورتها الثانية والستين، 2013، ص4.
- تعليق اللجنة رقم 5 (2003) والمتعلق بالتدابير العامة لتنفيذ اتفاقية حقوق الطفل الفقرة 12 والتعليق العام رقم 12 (2009) المتعلق بحق الطفل بالاستماع اليه، ص 12.
- لجنة حقوق الطفل التعليق العام رقم 17 بشأن المادة 24 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الواردة في مجموعة التعليقات العامة الصادرة عن الأمم المتحدة، ص133.
- الإعلان العالمي لحقوق الأطفال أعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة 1386 (د ـ 14) المؤرخ في 20 تشرين الثاني / نوفمبر 1959. المبدأ التاسع: (يجب أن يتمتع الطفل بالحماية من جميع صور الإهمال والقسوة والاستغلال ويحظر الاتجار به على أي صورة ولا يجوز استخدام الطفل قبل بلوغه السن الأدنى الملائم ويحظر في جميع الأحوال حمله على العمل أو تركه يعمل أي قضية أو صنعة تؤذي صحته أو تعليمه أو تعرقل نموه الجسمي أو العقلي أو الخلقي).يضيف هذا الاتجاه إلى المبدأ التاسع جملة من الصكوك الدولية والصكوك الإقليمية منها:
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، 1966.
- اتفاقية حقوق الطفل، 1989.
- إعلان حقوق الطفل، 1959.
- قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شؤون قضاء الأحداث (قواعد بيكين)، 1985.
- قواعد الأمم المتحدة لحماية الأحداث المجردين من حريتهم 1990.
- مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية لمنع جنوح الأحداث (مبادئ الرياض التوجيهية)، 1990.
- الإعلان المتعلق بالمبادئ الاجتماعية والقانونية المتصلة بحماية الأطفال ورعايتهم مع الاهتمام الخاص بالحضانة والتبني على الصعيدين الوطني والدولي، 1986.
- مبادئ توجيهية للعمل بشأن الأطفال في نظام العدالة الجنائية.
- الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، 1981.
- الميثاق الأفريقي لحقوق ورفاه الطفل، 1990.
- الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، 1969.
- الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، 1950.
- لجنة حقوق الطفل، الملاحظات الختامية المتعلقة بالتقرير الجامع للتقريرين الدوريين الثالث والرابع للنمسا التي اعتمدتها اللجنة في دورتها الحادية والستين، 2012، ص1و20.
- التعليق العام رقم 10 (2007) المتعلق بحقوق الطفل في قضاء الأحداث، الفقرة 10.
























